رغم أنني تناولت في مقال سابق تجربة المدارس المصرية اليابانية، فإنني أعود إليها اليوم بإحساس مختلف؛ فهذه المدارس لم تعد مجرد نموذج تعليمي جديد، بل أصبحت بحق حلم جيل كامل يتطلع إلى تعليم حديث، متوازن، يصنع الإنسان قبل أن يكدّس المعلومات، ويؤسس شخصية قادرة على التفكير والعمل والانتماء.
إعلان وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني عن دخول 10 مدارس مصرية يابانية جديدة الخدمة اعتبارًا من العام الدراسي المقبل 2026/2027، ليرتفع إجمالي العدد إلى 79 مدرسة، بالتزامن مع فتح باب التقديم للطلاب بجميع المدارس المصرية اليابانية، يعكس بوضوح أن الدولة ماضية بثبات في ترسيخ هذا النموذج التعليمي الفريد، الذي أثبت نجاحه على أرض الواقع.
ويكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة، لأنه يأتي بعد لقاء السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في السادس من ديسمبر الماضي، مع مجموعة من خبراء التعليم اليابانيين المتواجدين في مصر، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والسيد محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني. وقد أشاد الخبراء اليابانيون بالدعم الرئاسي المباشر وحرص القيادة السياسية على نجاح التجربة، مؤكدين ما تحقق من نتائج إيجابية ملموسة على مستوى سلوك الطلاب، والانضباط، والعمل الجماعي، وهي جوهر الفلسفة التعليمية اليابانية.
إن أهمية المدارس المصرية اليابانية لا تكمن فقط في المناهج المطورة، بل في اعتمادها على أنشطة “التوكاتسو” التي تركز على بناء الشخصية، واحترام الوقت، والعمل بروح الفريق، وتعزيز القيم الأخلاقية والإنسانية، وهو ما يتسق تمامًا مع توجهات الدولة لبناء “الإنسان المصري” وفق رؤية مصر 2030.
وفي إطار تنفيذ تكليفات السيد الرئيس بمواصلة التوسع، تنتشر المدارس الجديدة في عدد من المحافظات، من بينها القاهرة (الشروق)، والإسماعيلية، والإسكندرية (المنتزه 2)، والدقهلية (دكرنس)، وكفر الشيخ (الحامول)، والمنوفية (شبين الكوم 2)، والبحيرة (الدلنجات)، والجيزة (فيصل)، ومطروح (العلمين الجديدة)، والبحر الأحمر (رأس غارب)، بما يعكس حرص الدولة على تحقيق العدالة الجغرافية في إتاحة هذا النوع من التعليم.
وبالنظر إلى مستهدفات رؤية مصر 2030، يمكن القول إن التوسع في المدارس المصرية اليابانية مرشح للاستمرار بوتيرة متصاعدة، ومع الحفاظ على الجودة وعدم الإخلال بفلسفة التجربة، فمن المتوقع أن يصل عدد هذه المدارس خلال السنوات المقبلة إلى نحو 100 مدرسة أو أكثر، لتصبح أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومة التعليم قبل الجامعي في مصر.
في النهاية، لم تعد المدارس المصرية اليابانية مجرد تجربة، بل أصبحت نموذجًا واعدًا يعيد الأمل في تعليم يصنع المستقبل، ويبرهن أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وأن حلم الجيل يمكن أن يتحول إلى واقع حين تتوافر الإرادة والرؤية والدعم.


