في كل أسبوع يتغير عنوان الخبر الاقتصادي، لكن السياق العام يفرض نفسه بثبات يتجاوز ضجيج العناوين، العالم يمر بمرحلة إعادة تشكيل اقتصادي عميقة، اتسمت خلال العامين الماضيين بمعدلات تضخم تاريخية تجاوزت 8٪ في عدد من الاقتصادات المتقدمة، وبسياسات نقدية انكماشية رفعت أسعار الفائدة إلى مستويات لم تُسجل منذ الأزمة المالية العالمية، إلى جانب توترات جيوسياسية أعادت رسم خريطة التجارة وتدفقات الاستثمار، في هذا الإطار المعقد، تتحرك الاقتصادات الصاعدة بحساب دقيق، ومصر جزء فاعل من هذا المشهد لا مجرد متلقٍ لارتداداته.
الاقتصاد المصري يواجه تحديات هيكلية معروفة، غير أن زاوية النظر الأهم لا تتعلق بوجود التحدي بقدر ما ترتبط بكيفية إدارته في سياق مؤسسي وسياسي شديد الحساسية. دولة يتجاوز عدد سكانها 110 ملايين نسمة، وتتحمل التزامات اجتماعية وتنموية واسعة، نجحت في الحفاظ على تماسك بنيتها الاقتصادية والمالية، وفي تمرير مراحل تصحيح ضرورية دون انزلاق إلى اختلالات حادة أو ارتباك في مسار الدولة ككل، هذا القدر من الاستمرارية في السياسات، رغم تغير الظروف، يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الاستقرار كشرط سابق لأي إصلاح جاد.
المؤشرات الرسمية تعكس بعض ملامح هذا الأداء، ومعدل نمو يدور حول 4٪ في عام اتسم بتباطؤ اقتصادي عالمي، وتحسن نسبي في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الموجهة لقطاعات إنتاجية وبنية تحتية، إلى جانب تعافي مصادر النقد الأجنبي التقليدية، وعلى رأسها السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وإيرادات قناة السويس. هي أرقام لا تُقدَّم بوصفها إنجازًا نهائيًا، لكنها تؤكد قدرة الاقتصاد على الصمود وإعادة التوازن في لحظة دولية ضاغطة.
الإصلاح الاقتصادي، بطبيعته، مسار تراكمي طويل، تحكمه مفاضلات دقيقة بين متطلبات الاستقرار وضغوط النمو، وبين منطق السوق واعتبارات المجتمع، ويُحسب للنهج القائم أنه يتحرك داخل حدود الممكن، مع مراعاة السياق السياسي والاجتماعي، وبعيدًا عن القرارات الصدامية أو الرهانات قصيرة الأجل.
في النهاية، الاقتصاد لا يُدار بالضجيج، بل بالثقة والمؤسسات والزمن والسؤال الذي يستحق أن يتكرر بهدوء هو: كيف نُحوّل هذا الصمود النسبي إلى نمو أكثر عمقًا واستدامة، يحمي الدولة ويعزز قدرتها على الحركة في عالم شديد التقلب؟ سؤال مفتوح، لكنه اليوم يُطرح من موقع أكثر تماسكًا ونضجًا مما كان عليه في مراحل سابقة.


