NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

NE

News Elementor

محمد اليمني يكتب: الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال».. خطوة جيوسياسية محسوبة لإعادة هندسة القرن الإفريقي

محتوي الخبر

اعتراف ليس بريئًا ولا معزولًا عن خرائط النار لم يكن الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بما يُسمّى «أرض الصومال» ككيان مستقل مجرّد خطوة دبلوماسية عابرة أو موقفًا رمزيًا يُدرج في سياق توسيع العلاقات الخارجية لكيان الاحتلال، بل جاء كحلقة متقدمة ضمن مشروع جيوسياسي مركّب يستهدف إعادة تشكيل خرائط النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن، بما يخدم بصورة مباشرة المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية للكيان الصهيوني، ويمنحه موطئ قدم بالغ الحساسية على واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، وعلى تماس مباشر مع الجبهة اليمنية التي تحوّلت خلال الأشهر الماضية إلى مصدر تهديد استراتيجي حقيقي للأمن البحري الإسرائيلي ولمنظومة الردع الغربية برمّتها.

فالاعتراف بـ«أرض الصومال» لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي المتفجّر، ولا عن التصعيد المتواصل في البحر الأحمر، ولا عن محاولات تل أبيب وحلفائها كسر المعادلة الجديدة التي فرضتها صنعاء، ولا عن مساعي تطويق محور المقاومة من خاصرته الجنوبية عبر أدوات جيوسياسية ناعمة تُدار بواجهات قانونية واقتصادية، بينما تخفي في جوهرها ترتيبات أمنية وعسكرية بعيدة المدى.

أولًا: «أرض الصومال»… كيان هشّ في قلب لعبة الأمم
منذ إعلان انفصالها الأحادي عن الصومال عام 1991، ظلت «أرض الصومال» كيانًا غير معترف به دوليًا، يعيش في منطقة رمادية قانونيًا، ويعتمد في بقائه على توازنات قبلية داخلية، ودعم خارجي غير معلن، واستثمار موقعه الجغرافي كرافعة تفاوضية مع القوى الدولية الباحثة عن موطئ قدم في القرن الإفريقي.

هذا الكيان الذي يفتقر إلى أي شرعية قانونية وفق ميثاق الأمم المتحدة، تحوّل اليوم إلى أداة وظيفية في يد قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تجاوز الدولة الصومالية المركزية الضعيفة، والالتفاف على القانون الدولي، وفرض أمر واقع جديد في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة وتعقيدًا.

فالاعتراف الإسرائيلي لا يمنح «أرض الصومال» شرعية حقيقية بقدر ما يكشف عن استعداد تل أبيب لاستخدام الكيانات الانفصالية كمنصات نفوذ متقدمة، تمامًا كما فعلت سابقًا في جنوب السودان، وكما حاولت فعله في شمال العراق، وكما تسعى اليوم إلى إعادة إنتاجه في القرن الإفريقي، ضمن استراتيجية تقوم على تفكيك الدول الوطنية الهشّة وتحويلها إلى فسيفساء كيانات وظيفية تخدم الأمن الإسرائيلي بعيدًا عن أي مساءلة قانونية أو سياسية.

الموقع… الجغرافيا التي تكتب السياسة بالنار
تتمتع «أرض الصومال» بموقع استثنائي على خليج عدن، مقابل السواحل اليمنية مباشرة، وعلى مسافة قريبة من مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وممرّ حيوي لنقل الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا.

هذا الموقع لم يعد مجرّد ميزة جغرافية، بل تحوّل إلى عنصر حاسم في معادلة الصراع الإقليمي، خاصة بعد أن نجحت صنعاء في فرض نفسها لاعبًا مؤثرًا في معادلة أمن البحر الأحمر، وكسرت احتكار القوى الغربية والإسرائيلية للسيطرة على الممرات البحرية.

من هنا، يصبح الوجود الإسرائيلي المحتمل في «أرض الصومال» ليس مجرد استثمار سياسي، بل حاجة أمنية وعسكرية ملحّة، تهدف إلى:
مراقبة السواحل اليمنية عن قرب.
جمع معلومات استخبارية دقيقة حول تحركات القوات اليمنية.
تأمين قواعد خلفية للعمليات البحرية والجوية.

الالتفاف على القيود التي فرضتها صنعاء على الملاحة الإسرائيلية.
وبذلك، يتحوّل خليج عدن من ممر تجاري إلى مسرح صراع مفتوح، تُعاد فيه صياغة خرائط الردع والسيطرة بالقوة الخشنة والناعمة معًا.

اليمن في قلب الحسابات الإسرائيلية
لا يمكن فهم هذا الاعتراف دون وضع اليمن في صدارة التحليل، فاليمن لم يعد، من وجهة النظر الإسرائيلية، مجرد ساحة بعيدة أو هامشية، بل بات جبهة مركزية تهدد الأمن القومي الإسرائيلي بصورة مباشرة، سواء عبر استهداف السفن المرتبطة بالكيان، أو عبر فرض معادلة ردع بحرية أربكت واشنطن وحلفاءها.

لقد فشلت الضربات الجوية الغربية في تحييد القدرات اليمنية، وفشلت محاولات كسر الإرادة السياسية لصنعاء، ما دفع تل أبيب إلى البحث عن خيارات بديلة أقل كلفة وأكثر استدامة، من بينها التمركز غير المباشر قرب السواحل اليمنية عبر واجهات إقليمية وكيانات انفصالية.

وهنا، تبرز «أرض الصومال» كمنصة مثالية، تتيح لإسرائيل:
الاقتراب جغرافيًا من مسرح العمليات دون الظهور المباشر.
العمل تحت غطاء استثماري أو أمني إماراتي.
بناء بنية تحتية استخبارية بعيدة عن الأنظار.

الدور الإماراتي… إدارة بالوكالة ونفوذ بلا سيادة
لا يمكن تجاهل الدور الإماراتي المحوري في هذا المشهد، فالإمارات التي وسّعت نفوذها البحري خلال العقد الأخير عبر شبكة موانئ وقواعد تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تلعب دور «المدير التنفيذي» لمشاريع النفوذ الإقليمي التي تخدم، في كثير من الأحيان، مصالح تتجاوز حدودها الوطنية.

إدارة الموانئ في «أرض الصومال» عبر شركات إماراتية، وتقديم الدعم السياسي والاقتصادي للكيان الانفصالي، يوفّر الغطاء المثالي لأي حضور إسرائيلي غير معلن، ويخلق واجهة «اقتصادية» تخفي خلفها ترتيبات أمنية وعسكرية معقّدة.
وبذلك، يصبح الميناء:
إماراتيًا في الشكل.
إسرائيليًا في الوظيفة.
دوليًا في الغطاء.

وهو نموذج سبق أن رأيناه في أكثر من ساحة، حيث تُدار الجغرافيا عبر شركات، وتُضبط السياسة عبر تحالفات أمنية، بينما تُهمّش الشعوب والدول لصالح خرائط النفوذ.

المنفذ الإثيوبي والتمركز العسكري المشترك: تفكيك الدولة الصومالية وإعادة رسم خرائط السيطرة في القرن الإفريقي

إثيوبيا… دولة حبيسة تتحول إلى أداة في مشروع تفكيك الإقليم
لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» بمعزل عن الطموحات الإثيوبية المتصاعدة للحصول على منفذ بحري، وهي الطموحات التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة من مطالب اقتصادية مشروطة إلى مشروع سياسي–أمني عدواني يهدد استقرار القرن الإفريقي بأكمله، ويقوّض مبدأ سيادة الدول، ويفتح الباب أمام صراعات إقليمية طويلة الأمد.

إثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا، لم تتعامل مع هذه الحقيقة الجيوسياسية كأمر واقع، بل سعت بشكل منهجي إلى تعويضها عبر الضغط السياسي، والابتزاز الاقتصادي، واستغلال هشاشة الدول المجاورة، وعلى رأسها الصومال، التي تعاني من ضعف الدولة المركزية، وتعدد مراكز القوة، وتداخل الأجندات الخارجية.

وفي هذا السياق، يصبح مشروع المنفذ البحري الإثيوبي عبر «أرض الصومال» أكثر من مجرد اتفاق اقتصادي، بل خطوة تأسيسية في مشروع إعادة هندسة الحدود والنفوذ، حيث تُمنح دولة حبيسة منفذًا سياديًا عبر كيان غير معترف به، وبغطاء إقليمي ودولي غير معلن، وبمباركة إسرائيلية تسعى إلى توسيع شبكتها الاستراتيجية في البحر الأحمر.

المنفذ البحري… من التجارة إلى العسكرة
في الخطاب الرسمي، يُسوّق المنفذ البحري الإثيوبي على أنه مشروع اقتصادي يهدف إلى تسهيل التجارة وتقليل كلفة الاستيراد والتصدير، غير أن القراءة المتأنية لطبيعة الترتيبات المقترحة، وللهوية الحقيقية للأطراف الداعمة، تكشف أن الأمر يتجاوز الاقتصاد إلى عسكرة الموانئ وتحويلها إلى نقاط ارتكاز عسكري وأمني.

فالموانئ في الجغرافيا السياسية الحديثة لم تعد مجرد بوابات تجارية، بل تحوّلت إلى:
مراكز استخبارية متقدمة.
نقاط تمركز للقوات البحرية والجوية.
منصات مراقبة للطرق البحرية.
أدوات ضغط سياسي على الدول المجاورة.

ومن هنا، فإن منح إثيوبيا منفذًا بحريًا عبر «أرض الصومال»، بإدارة إماراتية شكلية، وبحضور إسرائيلي غير معلن، يعني عمليًا إدخال لاعب جديد إلى معادلة البحر الأحمر وخليج عدن، ليس بصفته شريكًا تجاريًا، بل كجزء من محور أمني–عسكري يستهدف إعادة توزيع القوة في المنطقة.

الإمارات… من لاعب إقليمي إلى رأس حربة لمشاريع التفكيك
تلعب الإمارات دورًا محوريًا في هذا المشهد، ليس فقط كمستثمر أو وسيط، بل كفاعل سياسي وأمني يسعى إلى تثبيت نفوذه عبر التحكم في الموانئ والجزر والممرات البحرية، ضمن رؤية استراتيجية ترى في السيطرة على الجغرافيا البحرية مفتاحًا للنفوذ الإقليمي والدولي.

فمن عدن إلى المخا، ومن عصب الإريترية إلى بربرة في «أرض الصومال»، بنت الإمارات شبكة معقّدة من العلاقات والاتفاقيات التي تتيح لها إدارة الموانئ، والتحكم في حركة التجارة، وتوفير غطاء لوجود عسكري غير معلن لقوى أخرى، وفي مقدمتها إسرائيل.

وفي هذا السياق، تتحول الإمارات إلى:
واجهة استثمارية لمشاريع أمنية.
مظلة سياسية لوجود إسرائيلي غير مباشر.
شريك عملياتي في ترتيبات عسكرية حساسة.

وهو ما يجعل الحديث عن «إدارة إماراتية شكلية» للميناء توصيفًا دقيقًا، حيث تُدار الموانئ بعقود اقتصادية، لكن تُوظّف في معادلات أمنية تتجاوز حدود الاقتصاد والسيادة الوطنية.

التمركز العسكري المشترك… ما لا يُقال في البيانات الرسمية
أخطر ما في الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» لا يكمن في النص السياسي المعلن، بل في ما يفتحه من أبواب خلفية لترتيبات عسكرية وأمنية مشتركة، قد لا تُعلن رسميًا، لكنها تُبنى تدريجيًا عبر:
وجود مستشارين أمنيين.
إنشاء بنى تحتية لوجستية.
تطوير مرافق مزدوجة الاستخدام (مدني/عسكري).
تكثيف النشاط الاستخباري.

فالتمركز العسكري الإماراتي–الصهيوني المحتمل في المنطقة لا يهدف فقط إلى حماية الميناء أو تأمين الاستثمارات، بل يسعى إلى خلق نقطة ارتكاز دائمة تتيح:
مراقبة حركة السفن في خليج عدن.
التدخل السريع في حال تصاعد التوتر مع اليمن.
دعم العمليات الإسرائيلية غير المباشرة ضد محور المقاومة.
وبذلك، يصبح الكيان الانفصالي منصة متقدمة لعمليات لا تُدار من تل أبيب فقط، بل من شبكة إقليمية معقّدة تتقاطع فيها المصالح الإسرائيلية والإماراتية والإثيوبية.

الصومال… الدولة الغائبة في معادلة التقاسم
في قلب هذا المشهد، تقف الدولة الصومالية كأكبر الخاسرين، حيث يُعاد رسم مستقبلها دون مشاركتها، وتُنتزع أجزاء من سيادتها عبر اتفاقيات لا تعترف بها، وتُستخدم هشاشتها كذريعة لتبرير التدخلات الخارجية.
فالاعتراف بـ«أرض الصومال» يشكّل سابقة خطيرة، لا تهدد وحدة الصومال فقط، بل تُرسل رسالة واضحة مفادها أن الدول الضعيفة قابلة للتفكيك، وأن القانون الدولي قابل للتجاوز متى ما توافرت المصالح.

وهذا ما يفتح الباب أمام:
تصاعد النزعات الانفصالية.
تفجّر صراعات داخلية جديدة.
تحويل الصومال إلى ساحة صراع بالوكالة.

إسرائيل والبحر الأحمر: من الدفاع البحري إلى الهجوم الجيوسياسي على محور المقاومة

البعد الإسرائيلي الخالص… عقيدة أمنية تبحث عن العمق المفقود
يأتي الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» في لحظة مفصلية تشهد فيها العقيدة الأمنية الإسرائيلية واحدة من أخطر أزماتها التاريخية، حيث تآكلت أسس الردع التقليدي، وتعرّض مفهوم «العمق الاستراتيجي الآمن» لضربات غير مسبوقة، سواء من الجبهة الشمالية، أو من غزة، أو – وهو الأخطر – من الجبهة الجنوبية الممتدة من اليمن إلى البحر الأحمر.

فإسرائيل، التي بُنيت عقيدتها العسكرية على نقل المعركة إلى أرض الخصم، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى الدفاع عن خطوط إمدادها البحرية، وعن تجارتها، وعن صورتها كقوة قادرة على تأمين مصالحها دون الاعتماد الكامل على الحماية الأميركية.

ومن هنا، يتحوّل البحر الأحمر من هامش استراتيجي إلى قلب المعادلة الأمنية الإسرائيلية، ويصبح أي تمركز أو نفوذ في محيطه جزءًا لا يتجزأ من معركة الوجود، لا مجرد خيار تكتيكي أو مصلحة اقتصادية عابرة.

اليمن… الكابوس الاستراتيجي الذي لم تحسب له تل أبيب حسابًا
لم تكن تل أبيب تتوقع أن يتحول اليمن، الذي طالما صُنّف في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية كدولة منهكة وبعيدة عن مسرح الصراع المباشر، إلى لاعب قادر على فرض معادلات ردع بحرية، وتغيير قواعد الاشتباك، وتهديد العمق الاقتصادي الإسرائيلي دون الحاجة إلى حرب تقليدية شاملة.

فالعمليات اليمنية في البحر الأحمر وخليج عدن لم تكن مجرد رسائل سياسية، بل مثّلت:
اختراقًا مباشرًا لمنظومة الأمن البحري الغربية.
كسرًا لاحتكار القوة في الممرات الدولية.
إعادة تعريف لمفهوم الردع من خارج الجغرافيا التقليدية للصراع العربي–الإسرائيلي.

وهنا، يصبح الاعتراف بـ«أرض الصومال» محاولة إسرائيلية للانتقال من موقع رد الفعل الدفاعي إلى موقع الهجوم الجيوسياسي الوقائي، عبر خلق طوق ضغط حول اليمن، ومراقبة سواحله، وتقييد حركته البحرية، واستباق أي تصعيد محتمل عبر نقاط ارتكاز قريبة جغرافيًا ومحمية سياسيًا.
ثاني عشر: ضرب محور المقاومة… استراتيجية الاستنزاف من الأطراف
يُدرج هذا التحرك الإسرائيلي ضمن استراتيجية أوسع تستهدف تفكيك وتطويق محور المقاومة، ليس عبر مواجهة شاملة مكلفة، بل عبر سلسلة من الضغوط المتزامنة على الأطراف، تهدف إلى:
تشتيت الجبهات.
إنهاك الموارد.
كسر التواصل الجغرافي واللوجستي بين مكونات المحور.
فالتمركز في القرن الإفريقي، وتحديدًا في «أرض الصومال»، يمنح إسرائيل القدرة على التأثير في أحد أهم خطوط الإمداد غير المباشرة لمحور المقاومة، ويتيح لها مراقبة التحركات البحرية، والتنسيق مع شركاء إقليميين لتنفيذ عمليات أمنية واستخبارية منخفضة الوتيرة، لكنها عالية الأثر على المدى الطويل.

وبذلك، تتحول الجغرافيا الإفريقية من فضاء محايد نسبيًا إلى ساحة صراع صامت، تُدار فيها المعارك بعيدًا عن العناوين الكبرى، لكنها تلعب دورًا حاسمًا في إعادة توزيع القوة الإقليمية.

مصر… الأمن القومي على خط التماس
لا يمكن لمصر، باعتبارها الدولة العربية الأكثر ارتباطًا بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، أن تكون بعيدة عن تداعيات هذا التحول الخطير، فكل تغيير في معادلة السيطرة على خليج عدن وباب المندب ينعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري، وعلى مكانة قناة السويس كممر استراتيجي عالمي.
فالوجود الإسرائيلي المتقدم في «أرض الصومال»، ولو كان غير معلن، يعني عمليًا:
توسيع نطاق النفوذ الإسرائيلي جنوبًا.
خلق واقع أمني جديد على أطراف المجال الحيوي المصري.

إدخال لاعب عدائي إلى معادلة الأمن البحري الإقليمي.
وهو ما يفرض على القاهرة إعادة تقييم المشهد، ليس فقط من زاوية العلاقات الدبلوماسية، بل من منظور الأمن القومي الصلب، خاصة في ظل التداخل بين الملف الإثيوبي (سد النهضة والمنفذ البحري) والملف الصومالي، والملف اليمني، ضمن شبكة واحدة من التحديات المتزامنة.

البحر الأحمر… من ممر دولي إلى ساحة صراع مفتوح
لقد فقد البحر الأحمر صفته كممر تجاري محايد، وتحول إلى ساحة اشتباك غير تقليدية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتُدار فيها الصراعات عبر وكلاء، وشركات، وكيانات غير معترف بها، بدلًا من الجيوش النظامية المباشرة.
وفي هذا السياق، يصبح الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» خطوة تأسيسية لمرحلة جديدة، تُعاد فيها كتابة قواعد اللعبة، حيث:
تُكافأ الكيانات الانفصالية بدل احتوائها.
تُشرعن التدخلات الخارجية باسم الاستقرار.
يُعاد تعريف الأمن البحري وفق مصالح قوى بعينها.

التداعيات بعيدة المدى… نحو شرق أوسط–قرن إفريقي أكثر هشاشة
إن أخطر ما في هذا المسار لا يكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في السوابق التي يؤسس لها، حيث يُفتح الباب أمام إعادة رسم الخرائط بالقوة الناعمة، وتُقوّض أسس النظام الدولي القائم على سيادة الدول، ويُعاد إنتاج منطق التفكيك كأداة لإدارة الأزمات.

السيناريوهات المستقبلية وخيارات المواجهة: إلى أين يتجه القرن الإفريقي والبحر الأحمر؟

السيناريوهات المحتملة… بين الاحتواء الهش والانفجار الإقليمي
يفتح الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» الباب أمام مجموعة من السيناريوهات المتباينة، لا يمكن التعامل معها بوصفها احتمالات نظرية مجردة، بل كمسارات واقعية تتشكل ملامحها بالفعل على الأرض، وتتأثر بدرجة التصعيد في البحر الأحمر، وبقدرة القوى الإقليمية على فرض خطوط حمراء واضحة، أو فشلها في ذلك.

السيناريو الأول: الاحتواء المؤقت
يقوم هذا السيناريو على امتصاص الصدمة السياسية دون ترجمتها إلى مواجهة مباشرة، حيث تكتفي الدول العربية والإفريقية بإدانات دبلوماسية، بينما تواصل إسرائيل وحلفاؤها بناء نفوذهم بهدوء عبر أدوات اقتصادية وأمنية غير معلنة، مستفيدين من غياب ردع عربي موحد، ومن انشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى.

غير أن هذا السيناريو يظل هشًا بطبيعته، لأنه يؤجل الانفجار ولا يمنعه، ويُراكم أسباب التوتر بدل معالجتها، خاصة في بيئة إقليمية شديدة القابلية للاشتعال.

السيناريو الثاني: التصعيد المتدرج
وفيه تتحول «أرض الصومال» إلى ساحة صراع غير مباشر، تتكثف فيها العمليات الاستخبارية، وتزداد الضغوط على اليمن، وتتوسع دائرة الاشتباك البحري، دون الوصول إلى مواجهة شاملة، ما يُدخل المنطقة في حالة استنزاف طويل الأمد، تُستنزف فيه الدول الهشة، بينما تحافظ القوى الكبرى على هامش مناورة واسع.

السيناريو الثالث: الانفجار الإقليمي
وهو السيناريو الأخطر، حيث يؤدي أي خطأ في الحسابات، أو ضربة نوعية، أو توسع في التمركز العسكري، إلى تفجير صراع مفتوح يمتد من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي، ويضع مصر واليمن والصومال وإثيوبيا في قلب معادلة أمنية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات الدولية والإقليمية بصورة غير قابلة للضبط.

خيارات محور المقاومة… من الردع البحري إلى توسيع الجبهة الجيوسياسية
في مواجهة هذا التموضع الإسرائيلي المتقدم، لا يملك محور المقاومة ترف الاكتفاء بردود فعل تكتيكية، بل يجد نفسه أمام ضرورة توسيع مفهوم المواجهة ليشمل الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والإعلامية، إلى جانب البعد العسكري.

فالمعادلة لم تعد مقتصرة على استهداف سفن أو قواعد، بل باتت تتعلق بـ:
كسر مشروعية الكيانات الوظيفية.
فضح شبكات النفوذ الاقتصادي–الأمني.
تحويل البحر الأحمر من أداة ضغط إلى مساحة ردع متبادل.
وفي هذا السياق، يمكن لمحور المقاومة أن يعزز حضوره عبر:
تطوير قدرات الردع البحري طويلة المدى.

بناء تحالفات سياسية وإعلامية مع دول متضررة من التفكيك.
استثمار التناقضات داخل المعسكر الغربي نفسه.

العرب بين الغياب والتهميش… سؤال الإرادة السياسية
تكشف هذه الأزمة، مرة أخرى، عمق المأزق العربي، حيث تُدار أخطر التحولات الجيوسياسية في محيطه الحيوي دون أن يكون طرفًا فاعلًا فيها، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع أو ممر عبور لمشاريع الآخرين.

فالاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» ليس تحديًا للصومال وحده، بل اختبار حقيقي للنظام العربي، ولمفهوم الأمن القومي الجماعي، ولمدى القدرة على الدفاع عن وحدة الدول، ورفض منطق التفكيك الذي يهدد الجميع دون استثناء.

الخلاصة الاستراتيجية… اعتراف يعيد تعريف الصراع
في المحصلة النهائية، لا يمكن النظر إلى الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» كحدث منفصل، أو خطوة تكتيكية محدودة الأثر، بل يجب التعامل معه بوصفه نقطة تحوّل استراتيجية في الصراع على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وفي مسار استهداف اليمن ومحور المقاومة، وفي إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي.

إنه اعتراف يختزل:
منطق القوة بدل القانون.
التفكيك بدل الاستقرار.
إدارة الصراعات بدل حلّها.
وهو ما يجعل المنطقة أمام مرحلة جديدة أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للانفجار، وأقل خضوعًا للضوابط التقليدية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود.

خاتمة: البحر الأحمر على مفترق طرق
يقف البحر الأحمر اليوم على مفترق طرق تاريخي، فإما أن يتحول إلى فضاء لتوازنات ردع جديدة تفرضها قوى صاعدة من خارج المنظومة التقليدية، أو ينزلق إلى ساحة صراع مفتوح تُدار فيها الحروب بالوكالة، وتُفكك فيها الدول قطعةً قطعةً باسم المصالح والأمن والاستثمار.

وفي قلب هذا المفترق، يظل الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» علامة فارقة، ليس لأنه غيّر الواقع فورًا، بل لأنه كشف بوضوح الاتجاه الذي يسير فيه الصراع، والرهانات التي تُبنى عليه، والثمن الذي قد تدفعه المنطقة إذا استمر الغياب العربي، وتواصل التعامل مع التحولات الكبرى بوصفها أحداثًا عابرة لا تستحق المواجهة.

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com