تشهد السوق العقارية المصرية واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا خلال العقد الأخير، حيث تزامن ارتفاع تكاليف البناء مع زيادة الطلب الحقيقي على السكن، ما خلق معادلة حرجة بين قدرة المطور على الاستمرار، وقدرة العميل على الشراء.
ومع التقلبات المتتالية في أسعار الحديد والأسمنت ومواد التشطيب، فضلًا عن تأثير أسعار الطاقة وسعر الصرف، أصبحت تكلفة تنفيذ المشروعات أعلى بنسبة تتجاوز 40–60% خلال فترة قصيرة، الأمر الذي فرض على الشركات إعادة النظر في نماذج التسعير والبيع، وإعادة تقييم استراتيجيات التنفيذ، حفاظًا على توازن السوق ومنع حدوث فجوة بين العرض والطلب.
ويتضح من تحليل المشهد الراهن أن المطورين يواجهون تحديًا مركبًا؛ فمن ناحية، لا يمكنهم رفع الأسعار بشكل متسارع حتى لا يفقد السوق قدرته الشرائية، ومن ناحية أخرى، لا يمكنهم تثبيت الأسعار في ظل ارتفاع التكلفة بما يهدد قدرتهم على الاستمرار في الإنشاء. ولهذا، اتجهت بعض الشركات إلى إعادة جدولة الدورات الإنشائية وتقليل المساحات أو تعديل تصميمات الوحدات لتقليل الهدر وزيادة الكفاءة، بينما لجأت شركات أخرى إلى التعاقد المسبق مع الموردين والمقاولين لضمان استقرار نسبي في التكلفة وتقليل التعرض للتقلبات السعرية. وتؤكد البيانات الصادرة عن شركات التطوير أن السيطرة على التكلفة أصبحت جزءًا من إدارة المخاطر وليست مجرد إجراء داخلي.
وتكشف القراءة الاقتصادية لميزان العرض والطلب أن السوق المصرية ما زالت تمتلك طلبًا حقيقيًا قويًا ناتجًا عن الزيادة السكانية وتحول المدن الجديدة إلى مراكز سكنية وتجارية نشطة، إلا أن التحدي يكمن في القدرة الشرائية وليس في وجود الطلب نفسه. فالشرائح المتوسطة والاقتصادية باتت أكثر حساسية تجاه الأسعار، ما يدفع المطورين للبحث عن حلول غير تقليدية للحفاظ على مبيعاتهم، مثل تقسيط فترات السداد لفترات أطول، أو تقديم نظم دفع ترتبط بمعدلات التنفيذ، أو طرح وحدات بمساحات أصغر تلائم ميزانيات المستهلكين دون الإضرار بجودة المنتج. ومع ذلك، يبقى الالتزام بالتسليم وجودة التنفيذ هو العامل الأكثر تأثيرًا على قوة الطلب في أي مشروع.
ويشير خبراء القطاع إلى أن الارتفاعات الحالية في تكلفة البناء دفعت المطورين إلى إعادة تقييم نهجهم تجاه التوسع الأفقي في المشروعات الكبيرة، مقابل الاتجاه نحو مشروعات أكثر تركيزًا وسرعة في التنفيذ، بحيث يمكن التحكم في التكلفة دون إرهاق الميزانية أو تعريض المشروع لمخاطر التمويل. كما ظهرت موجة جديدة من الشراكات بين المطورين والمقاولين وشركات الإدارة، ما يمنح الشركات قدرة أكبر على ضبط التدفقات النقدية، ويحد من المخاطر الناتجة عن التقلبات الاقتصادية. ويعد توسيع الشراكات مع البنوك أحد أهم الاتجاهات أيضًا، من خلال تمويل مراحل التنفيذ أو توفير برامج تمويل ميسرة للعميل تقلل الفجوة بين التكلفة وسعر البيع.
وتبرز السيناريوهات المستقبلية في السوق بثلاثة مسارات رئيسية قد تحدد شكل السوق خلال السنوات القادمة؛ المسار الأول هو تسريع التحول نحو تقنيات البناء الحديثة التي تختصر الوقت وتقلل الهدر في المواد الخام، مثل البناء الجاف والخرسانة الجاهزة واستخدام أنظمة نمذجة معلومات البناء BIM، وهي تقنيات بدأت بعض الشركات المصرية في تبنيها بالفعل لتحسين الكفاءة وتقليل التكلفة. أما المسار الثاني فيتمثل في إعادة هيكلة نماذج البيع بحيث تعتمد الشركات على نسب تنفيذ أعلى قبل البيع، ما يعزز الثقة لدى العميل ويقلل المخاطر من جهة المطور، لكنه يتطلب قدرة مالية وتنظيمية مرتفعة. فيما يتمثل المسار الثالث في الفصل بين المطور والبائع من خلال كيانات مستقلة للتسويق والتسعير وإدارة ما بعد البيع، بما يرفع مستوى الاحترافية داخل السوق.
وتشير القراءة التحليلية إلى أن ضبط السوق يحتاج أيضًا إلى دور تنظيمي داعم من الدولة، يركز على إتاحة بيانات حقيقية عن حجم المعروض، ومعدلات التنفيذ، والتراخيص، والفجوات السكنية، بما يساعد الشركات والمستثمرين على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات، ويحد من ظاهرة التسعير العشوائي. كما تتطلب المرحلة المقبلة وضع أطر لحماية المستهلك من التأخر في التسليم، وفي الوقت ذاته حماية الشركات الجادة من الاضطرابات الاقتصادية، عبر تشريعات تنظم تعديل الأسعار وفقًا لمؤشرات محددة توازن بين مصلحة المطور والعميل.
وفي النهاية، يتضح أن مواجهة ارتفاع تكاليف البناء ليست مجرد إجراء محاسبي أو تعديل سعري، بل هي إعادة هندسة كاملة لطريقة عمل السوق. فالشركات التي تستثمر في التكنولوجيا، وتتوسع بذكاء، وتُحكم إدارة تكلفتها، وتبني علاقتها مع العميل على الالتزام والشفافية، ستكون الأكثر قدرة على تجاوز المرحلة، بينما ستتراجع الشركات التي تبيع أكثر مما تنفذ أو تعتمد على التسويق دون قاعدة تنفيذية قوية. وما بين ارتفاع التكلفة وثبات الطلب الحقيقي، تبقى مرونة المطور وقدرته على التأقلم هي المفتاح للحفاظ على توازن ميزان العرض والطلب داخل السوق العقارية المصرية


