NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

NE

News Elementor

مونيكا وليم تكتب: تعقيدات الموقف الإسرائيلي في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار

محتوي الخبر

طال أمد الانتظار في قطاع غزة، وتزامنت معها مفاقمة المأساة الإنسانية تحت وطأة الهجمات الإسرائيلية اليومية وتقييد إدخال المساعدات والوقود، إلى أن قررت الإدارة الأمريكية الدفع نحو الانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. تبدو الخطوة في ظاهرها محاولة لإنقاذ الاتفاق من الانهيار، لكنها في جوهرها تثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرتها على معالجة الإرث الثقيل من الاختلالات التي خلفتها المرحلة الأولى، وحول ما إذا كانت المرحلة الثانية قادرة فعلًا على توفير ضمانات حقيقية لتنفيذ الاستحقاقات المتبادلة بين أطراف الاتفاق.

إلا ان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أعلن أن المرحلة الثانية ستُبنى وفق “تراتبية محددة”، تبدأ بإنشاء إدارة فلسطينية انتقالية، يليها الشروع في نزع السلاح، ثم إطلاق عملية إعادة الإعمار. كما شدد على أن المرحلة الأولى نجحت وفق توصيفه في إدخال مساعدات إنسانية والحفاظ على وقف إطلاق النار، وتحدث عن تراجع القدرات الجوية الإسرائيلية لدى حماس، وثمن الدور المصري والقطري والتركي في تسهيل هذا التقدم.

غير أن هذا التوصيف الأمريكي يصطدم مباشرة بوقائع ميدانية مغايرة، تؤكدها تقارير أممية وإغاثية دولية، تشير إلى أن إسرائيل لم تنسحب من القطاع، ولم تسمح بتدفق منتظم للمساعدات، ولم توقف عملياتها العسكرية يومًا واحدًا، وهو ما أفرز مئات الضحايا منذ توقيع الاتفاق. وعليه، فإن الحديث عن “نجاح” المرحلة الأولى يبدو أقرب إلى توصيف سياسي وظيفي منه إلى تقييم موضوعي لمسارها الفعلي.

التعقيد الأكبر لا يتعلق فقط بضعف تنفيذ المرحلة الأولى، بل بطبيعة التناقض البنيوي بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية للمرحلة الثانية. فبينما تسعى واشنطن إلى فرض مسار إداري وسياسي جديد عبر تشكيل لجنة فلسطينية انتقالية برئاسة نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق علي شعث، ولاطلاق مجلس سلام يتولى الإشراف المدني على القطاع، تصر إسرائيل على جعل نزع السلاح القضية المركزية والمحور الوحيد لأي تقدم.

وبالتالي من المنظور الإسرائيلي، لا يُنظر إلى نزع السلاح باعتباره مسألة أمنية، بل قضية سياسية واستراتيجية تتعلق بجوهر نتائج الحرب ومغزاها الوجودي. فبقاء سلاح حماس، حتى لو تقلص إلى مستوى محدود أو فردي، يعني بقاء الحركة ذاتها في المشهد السياسي والرمزي داخل غزة. وهذا، في الحسابات الإسرائيلية، يمثل فشلًا صريحًا في تحقيق الهدف الأساسي للحرب: إنهاء الوجود العسكري للمقاومة بصورة كاملة وتفكيك بنيتها، بصرف النظر عن نوعية هذا السلاح أو حجمه.

هذا التصور عبر عنه نتنياهو مرارًا، وكرسه في الداخل الإسرائيلي باعتباره “الخط الأحمر” الذي لا يمكن تجاوزه. ومن هنا جاء الصمت الرسمي الإسرائيلي حيال إعلان ويتكوف، باعتباره إعلانًا يتناقض مع ما حاول نتنياهو تسويقه بعد عودته من زيارته إلى الولايات المتحدة في ديسمبر ٢٠٢٥ ، حين أكد أن الانتقال إلى المرحلة الثانية لن يتم قبل إطلاق سراح آخر أسير إسرائيلي وقبل نزع سلاح حماس بالكامل.

صحيح أن الرئيس ترامب يُظهر تفهمًا واضحًا للأولويات الإسرائيلية، إلا أن الإدارة الأمريكية تجد نفسها في موقع مزدوج: فهي من جهة تريد منع انهيار الاتفاق وتجنب العودة إلى حرب شاملة، ومن جهة أخرى لا ترغب في الظهور وكأنها تمنح إسرائيل حق الفيتو الكامل على المسار السياسي. لذلك دفعت عمليًا باتجاه بدء المرحلة الثانية عبر تشكيل اللجنة الفلسطينية والإعلان عن مجلس السلام، في خطوة تعكس انقلابًا واضحًا على التراتبية الإسرائيلية.

وعليه يمثل تشكيل اللجنة الفلسطينية الانتقالية مطلبًا فلسطينيًا قديمًا وخطوة مهمة من حيث المبدأ، إذ ستتولى مهام خدمية وإدارية وإنسانية تتعلق بإدارة الإغاثة، إعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية، تنظيم شؤون النازحين، والإشراف على إعادة تأهيل مقومات الحياة الأساسية. كما حظيت اللجنة بترحيب شعبي فلسطيني نسبي، باعتبارها إطارًا مدنيًا قد يخفف من وطأة الانهيار الاجتماعي في القطاع.

لكن هذه اللجنة تواجه معوقات بنيوية هائلة. فإسرائيل لا تزال تسيطر فعليًا على نحو 60% من مساحة القطاع، بينما لا تتجاوز المساحة المتاحة للجنة 40%، وهي مناطق مدمرة بصورة شبه كاملة، خصوصًا في شرق خان يونس ورفح ومناطق واسعة من شمال القطاع. كما أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية سيقوض قدرة اللجنة على العمل، ويحوّلها إلى كيان إداري شكلي بلا أدوات تنفيذ حقيقية.

يزداد الأمر تعقيدًا في ظل غياب مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية، وهما عنصران أساسيان في التصور الأمريكي لضمان الأمن وفتح المعابر وتأمين تدفق المساعدات. فتح معبر رفح تحديدًا يبقى مرهونًا بالموقف الإسرائيلي المتعنت، وهو ما يمنح تل أبيب قدرة عملية على تعطيل اللجنة إداريًا حتى دون إعلان سياسي مباشر.

حيث أن إسرائيل تدرك أن وجود لجنة فلسطينية تعمل تحت مظلة دولية سيؤدي عمليًا إلى تقويض مشاريعها المتعلقة بإدارة أجزاء من القطاع أو فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وسيغلق الباب أمام سيناريوهات التهجير أو إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي. لذلك كانت تراهن في الأصل على فشل المرحلة الأولى تمهيدًا لاستئناف الحرب، أو على تشكيل قوة دولية قبل أي إدارة فلسطينية، بحيث يُستخدم فشل نزع السلاح لاحقًا ذريعة لإقناع واشنطن بعدم جدوى المرحلة الثانية.

إطلاق اللجنة وتبعيتها الإدارية لمجلس السلام يغلق هذا السيناريو جزئيًا، لكنه لا يلغي قدرة إسرائيل على إفشالها إجرائيًا عبر التحكم في المعابر، وعرقلة إدخال مواد الإعمار، وتعطيل حركة الموظفين والتمويل.

وعليه تنجح اللجنة فقط إذا توفرت لها ثلاثة شروط: غطاء سياسي دولي صريح، دعم أمريكي عملي لا يقتصر على التصريحات، وتمويل ضخم بمليارات الدولارات لاستيعاب الموظفين وتقديم الخدمات لأكثر من مليون نازح يعيشون في خيام في مناطق مدمرة بالكامل.

في المقابل، يستمر نتنياهو في سياسة المماطلة، متنقلًا بين ملف تسليم جثامين الجنود وملف نزع السلاح، لكسب الوقت حتى الانتخابات الإسرائيلية، وفي الأثناء توسيع المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية ومواصلة الضغط العسكري على غزة. ويعزز هذا النهج غياب أي جدول زمني ملزم أو ضمانات تنفيذية واضحة للمرحلة الثانية، وهو الخطأ ذاته الذي طبع المرحلة الأولى.

يزيد من هشاشة المشهد أن أولويات الإدارة الأمريكية لا تضع القضية الفلسطينية في الصدارة، إذ ينصب تركيزها على ملفات إيران، أوكرانيا، فنزويلا، الكاريبي، وجرينلاند، ما يجعل غزة تُدار كأزمة منفصلة لا كجزء من قضية سياسية شاملة.

ختاما أن المرحلة الثانية انطلقت سياسيًا قبل أن تتوافر شروطها الواقعية. فهي تتحرك بين مقاربة أمريكية تسعى إلى فرض وقائع مدنية على الأرض، ورؤية إسرائيلية تختزل مستقبل غزة في معادلة واحدة: نزع السلاح أولًا، ثم البحث في أي شيء آخر. وبين هذين المسارين، يبقى القطاع معلقًا في منطقة رمادية بين إدارة الأزمة واستدامتها، لا حلها، في ظل غياب رؤية شاملة تعالج جذور الصراع لا أعراضه فقط.

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com