ما يطلق عليه «المقايضة الكبرى» لا يمكن اعتباره حلًا حقيقيًا للأزمة الاقتصادية، بل هو طرح يتجاوز جوهر المشكلة ولا يعالج أسبابها، كما ينطوي على مخاطر جسيمة تمس السيادة والعدالة والاستدامة الاقتصادية، لان فكرة مقايضة الديون أو الأزمات المالية بالتنازل عن أصول استراتيجية أو موارد إنتاجية ليست ابتكارًا اقتصاديًا لأنها تعالج العَرَض لا المرض، وتُسكن الأزمة مؤقتًا على حساب المستقبل.
كما ان البنك المركزي ليس وظيفته إدارة الأصول ولكن وضع السياسات النقدية التي تتحكم في حجم التضخم وتوفير السيوله والاحتياطي النقدي.
الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر هي أزمة إنتاج وتنافسية وإدارة موارد وليست أزمة أصول. الدولة لا تعاني نقصًا في الأصول، بل في تعظيم العائد منها وفي هيكلة الاقتصاد ليكون قائمًا على الصناعة، والتصدير، والقيمة المضافة، وهذا دور الحكومة والصندوق السيادي ومن ثم فإن تحويل الأصول إلى أداة مقايضة هو اعتراف ضمني بالعجز عن الإدارة لا عن الثراء.
كما أن هذا الطرح يُحوّل الدين من كونه التزامًا ماليًا قابلًا للإدارة إلى مدخل لتغيير هيكل الملكية الوطنية، وهو أمر شديد الخطورة، لأن الأصول الاستراتيجية ليست بنودًا محاسبية، بل أدوات سيادة وأمن اقتصادي واجتماعي.
والأخطر أن المقايضة تُرسخ منطق: كلما تعثّرنا بعنا أكثر، وهو منطق لا يمكن أن يُنتج تنمية حقيقية أو استقرارًا طويل الأجل.
اقتصاديًا، المقايضة الكبرى لا تضمن خفضًا دائمًا للدين، لأن المشكلة ليست فقط في حجم الدين، بل في استمرار توليد عجز جديد نتيجة ضعف الإنتاج، واختلال الميزان التجاري، وتراجع التصنيع المحلي. وبالتالي قد نجد أنفسنا بعد سنوات قليلة أمام ديون جديدة ولكن بأصول أقل.
الحل لا يكمن في المقايضة، بل في:
ـ إعادة هيكلة الاقتصاد لصالح الإنتاج والتصدير
ـ تمكين الصناعة الوطنية والقطاع الخاص الحقيقي المنتج
ـ إصلاح مناخ الاستثمار والتشغيل
ـ إدارة و حوكمه الدين بآجال أطول وتكلفة أقل دون المساس بالأصول
ـ تعظيم العائد من الأصول بدل التفريط فيها
لذلك، فإن ما يُسمى «المقايضة الكبرى» ليس حلًا، بل مسارًا سهلًا قصير الأجل عالي التكلفة طويلة الأجل ويرسل رسالة للعالم و المؤسسات بعدم قدره الدولة علي سداد التزاماتها ويجب رفضه بوضوح، لأن الدول لا تُبنى بالمقايضات، بل بالإنتاج، والعمل، والإدارة الرشيدة.


