في كل مرة يخرج فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محذرًا من “هجوم إيراني وشيك” ومتوعدًا بـ“رد قوي وغير مسبوق”، يتجدد السؤال القديم الجديد حول طبيعة هذه التصريحات: هل هي قراءة استخباراتية دقيقة تستند إلى معطيات ميدانية حقيقية، أم أنها جزء من استراتيجية سياسية مدروسة تهدف إلى إعادة إنتاج مناخ الخوف والتعبئة داخل إسرائيل وخارجها؟ الواقع أن خطاب نتنياهو لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي شديد التعقيد، ولا عن أزماته الداخلية المتراكمة، ولا عن التوازنات الدقيقة التي تحكم العلاقة بين إسرائيل وإيران في إطار حرب الظل الممتدة منذ سنوات طويلة.
تحذيرات نتنياهو الأخيرة تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتشابك ملفات غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن في لوحة صراعات مفتوحة، تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإيرانية والروسية والتركية، مع حسابات الدول العربية التي تسعى إلى حماية أمنها واستقرارها في ظل حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة.
إيران، التي تُتهم بدعم حركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن، تجد نفسها في مواجهة ضغوط دولية متزايدة بسبب برنامجها النووي ودورها الإقليمي، بينما ترى إسرائيل في هذا التمدد الإيراني تهديدًا وجوديًا مباشرًا لا يمكن التساهل معه.
نتنياهو، المعروف بخطابه التصعيدي تجاه إيران منذ سنوات طويلة، يستخدم لغة مشحونة بالمخاوف الوجودية، مؤكدًا أن “إسرائيل لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي”، وأن أي هجوم إيراني مباشر أو غير مباشر سيقابل برد “غير مسبوق”. هذه اللغة لا تخاطب الداخل الإسرائيلي فقط، بل توجه رسائل متعددة المستويات إلى واشنطن والعواصم الغربية والعواصم العربية على حد سواء، مفادها أن إسرائيل مستعدة للذهاب بعيدًا في المواجهة، حتى لو أدى ذلك إلى إشعال المنطقة بأكملها.
لكن السؤال الأهم: ما الذي تغيّر حتى يجدد نتنياهو تحذيراته بهذه الحدة؟ في الواقع، هناك جملة من المتغيرات التي تدفع رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى رفع سقف التهديد. أول هذه المتغيرات هو تعاظم الدور الإيراني في الإقليم، سواء عبر دعم حركات المقاومة أو عبر التمدد العسكري غير المباشر في سوريا والعراق. ثانيها هو التطور النسبي في البرنامج النووي الإيراني، رغم القيود والضغوط الدولية، وهو ما تعتبره إسرائيل تجاوزًا للخطوط الحمراء. ثالثها يتمثل في التوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، حيث يشكل حزب الله – الحليف الأبرز لإيران – عامل ردع حقيقي لإسرائيل، وقادرًا على إلحاق أضرار استراتيجية بها في أي مواجهة واسعة.
إلى جانب هذه العوامل الخارجية، لا يمكن إغفال البعد الداخلي في حسابات نتنياهو.
الرجل يواجه أزمات سياسية وقضائية خانقة، واحتجاجات شعبية واسعة على خلفية التعديلات القضائية والانقسامات المجتمعية العميقة داخل إسرائيل. في مثل هذه الظروف، غالبًا ما تلجأ القيادات السياسية إلى تصعيد الخطاب الأمني ورفع مستوى التهديد الخارجي، بهدف إعادة توحيد الجبهة الداخلية حول “الخطر المشترك” وتحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية. وهنا يمكن قراءة تصريحات نتنياهو في إطار محاولة لإعادة إنتاج “عقيدة الخوف” التي طالما استخدمها لتثبيت موقعه السياسي.
أما عن التهديد بـ“رد قوي وغير مسبوق”، فهو يحمل في طياته أبعادًا استراتيجية خطيرة. إذ إن أي مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران لن تكون مواجهة محدودة، بل مرشحة لأن تتحول إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، تشارك فيها أطراف متعددة، وتؤدي إلى تداعيات كارثية على أمن واستقرار الشرق الأوسط.
فإيران تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والفاعلين غير الدولتيين في المنطقة، من لبنان إلى اليمن، وأي ضربة إسرائيلية مباشرة قد تفتح جبهات متعددة في وقت واحد، وهو سيناريو بالغ التعقيد والخطورة.
في المقابل، تدرك إيران أن أي هجوم مباشر على إسرائيل قد يمنح تل أبيب والولايات المتحدة مبررًا دوليًا لتوجيه ضربات قاسية للبنية التحتية الإيرانية، وربما استهداف منشآتها النووية والعسكرية.
لذلك، تميل طهران إلى اعتماد استراتيجية “الرد غير المباشر” أو “حرب الوكلاء”، حيث تُدار المواجهة عبر أطراف حليفة دون الانجرار إلى صدام مباشر شامل. هذا الأسلوب أثبت فعاليته في السنوات الماضية، وأربك الحسابات الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء.
من زاوية أخرى، تضع تصريحات نتنياهو الولايات المتحدة في موقف حرج. فواشنطن، رغم دعمها التقليدي لإسرائيل، لا ترغب في اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تهدد مصالحها وقواعدها العسكرية في المنطقة، وتؤثر على أسواق الطاقة العالمية، وتعيد خلط الأوراق الجيوسياسية بشكل يصعب السيطرة عليه.
لذلك تحاول الإدارة الأمريكية الموازنة بين دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا، وبين الضغط عليها لضبط النفس وعدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران.
أما الدول العربية، فهي تراقب هذا التصعيد بقلق بالغ. فاندلاع حرب بين إسرائيل وإيران لن يكون حدثًا بعيدًا عن محيطها، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي.
ارتفاع أسعار النفط، اضطراب الملاحة البحرية، تصاعد التوترات الطائفية، وتدفق موجات جديدة من اللاجئين، كلها سيناريوهات محتملة في حال انفجار المواجهة. من هنا، تحاول العديد من العواصم العربية لعب أدوار تهدئة غير معلنة، وتشجيع مسارات الحوار وخفض التصعيد.
في المحصلة، تبدو تحذيرات نتنياهو أقرب إلى ورقة ضغط سياسية واستراتيجية، أكثر منها إعلانًا وشيكًا عن حرب قادمة. فهو يدرك أن ميزان القوى لا يسمح بمغامرة غير محسوبة، خاصة في ظل التعقيدات الإقليمية والدولية الراهنة.
ومع ذلك، يبقى خطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قائمًا، خصوصًا في ظل منطق “سوء التقدير” و”الحسابات الخاطئة” الذي كثيرًا ما أشعل حروبًا لم يكن أحد يرغب بها فعليًا.
إن أخطر ما في المشهد الحالي هو غياب أفق سياسي حقيقي لمعالجة جذور الصراع، سواء بين إسرائيل وإيران، أو في القضية الفلسطينية التي تشكل قلب الأزمة الإقليمية. فطالما استمر الاحتلال، واستمرت سياسات القوة، وتجاهلت القوى الكبرى حقوق الشعوب، سيبقى الشرق الأوسط رهينة دوامة من التهديدات المتبادلة والتصعيد المستمر.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات نتنياهو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الخطابات النارية، التي قد تؤجل الانفجار لكنها لا تمنعه.
ختامًا، يمكن القول إن تجديد نتنياهو لتحذيراته من هجوم إيراني يعكس مأزقًا استراتيجيًا أكثر مما يعكس قوة مطلقة.
مأزق قيادة تخشى فقدان الردع، وتبحث عن إعادة إنتاجه عبر التهديد والوعيد، في منطقة لم تعد تحتمل مغامرات عسكرية جديدة. وبين حسابات الداخل وضغوط الخارج، يبقى الشرق الأوسط معلقًا على حافة الهاوية، بانتظار لحظة حكمة سياسية قد لا تأتي قريبًا.


