لطالما حظي جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي “الموساد” بصورة ذهنية استثنائية في الإعلام الغربي، حيث جرى تقديمه بوصفه أحد أكثر أجهزة الاستخبارات كفاءة وفاعلية في العالم، غير أن هذه الصورة لم تكن نتاج النجاح العملياتي وحده، بقدر ما كانت ثمرة استراتيجية دعائية ممنهجة عملت على تضخيم إنجازات محدودة، وانتقاء عمليات بعينها لإبرازها، مقابل التعتيم على إخفاقات جسيمة أو التقليل من آثارها.
وقد ساهم الإعلام الغربي، إلى جانب الرواية الرسمية الإسرائيلية، في ترسيخ هذه الصورة، من خلال إعادة إنتاج خطاب التفوق الاستخباراتي دون إخضاعه لتقييم نقدي مستقل، الأمر الذي حول الموساد من جهاز أمني إلى أسطورة سياسية وإعلامية تُستخدم لتعزيز الردع النفسي، أكثر مما تعكس واقع الأداء الفعلي.
ومع توالي الأزمات، لا سيما خلال السنوات الأخيرة، بات واضحًا أن الموساد، كغيره من الأجهزة الاستخباراتية، يعاني من قصور بنيوي وأخطاء تقديرية متراكمة كانت من الممكن أن تمحي إسرائيل من الوجود، وقد كشفت هذه الإخفاقات حدود الاعتماد على الدعاية كأداة لتعويض الفشل، وأظهرت أن تضخيم الصورة لا يمكنه إخفاء العجز طويلًا، خاصة عندما تتعارض الرواية الرسمية مع الوقائع الميدانية، وهنا نسلط الضوء على عشرة أخطاء تاريخية كشفت الفجوة بين الصورة المُسوقة والواقع العملي لأداء الجهاز.
من بين الأخطاء الشائعة لدى الموساد اختيار الجاسوس الخطأ في المكان الخطأ، فـ عام 1988 وصل عميل الموساد يدعي يتسحاق بنتال إلي مدينة برن السويسرية ويحاول زرع أجهزة تنصت في المبنى الذي يُشتبه في إقامة مواطن لبناني فيه، يُعتقد أنه عضو في حزب الله، وإلى جانب “يتسحاق”، ينتشر عدد من عملاء الموساد حول هذه المنطقة؛ و صدفة سمعت جارة أصوات غريبة قرب صندوق بريدها، ما دفعها إلي الاتصال بالشرطة، وألقت الشرطة السويسرية القبض على إسحاق، بينما تمكن باقي العملاء من الفرار، اعترف العميل المقبوض عليه بـ ثلاثة جرائم، وحُكم عليه بالسجن لمدة 12 شهرًا مع وقف التنفيذ، وغُرم 100 ألف فرنك سويسري.
ومن المعروف عن جهاز الموساد أن بعض عملياته وُصفت بالغباء وسوء التقدير ومن أبرز هذه العمليات ما حدث عام 1997، بعد توقيع اتفاقية السلام بين إسرائيل والأردن، حين حاول الموساد اغتيال خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أثناء وجوده في عاصمة الأردن “عمان”، نفذ عملاء الموساد المحاولة عبر حقن مشعل بسمّ في أذنه، إلا أن العملية فشلت بعد وقوع اشتباك بين أحد حراس مشعل وعميلين من الموساد، تمكّن على إثره العميلان من الفرار والاحتماء داخل السفارة الإسرائيلية في الأردن، نقل خالد مشعل إلى المستشفى وهو في حالة حرجة.
أمام خطورة الموقف وتداعياته السياسية، اضطرت إسرائيل إلى إرسال رئيس الموساد آنذاك، داني ياتوم، إلى الأردن برفقة طبيب وعميل، حيث قاما بحقن مشعل بـ مصل مضاد للسم أنقذ حياته، وذلك بناء على طلب مباشر من الملك حسين، ملك الأردن، الذي غضب من تنفيذ العملية على الأراضي الأردنية، وفي إطار تسوية الأزمة، وبمقابل إطلاق سراح عملاء الموساد المحتجزين، تم الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة حماس من السجون الإسرائيلية.
وخلال يناير الجاري، نشرت صفحة المتحدثة باسم الموساد باللغة الفارسية علي أكس، والتي تنشر رسائل باللغة الفارسية موجهة إلى سكان إيران، بأن آلاف من عناصر قوات الأمن الإيراني قد سئموا من النظام القمعي وقرروا الاستقالة من الخدمة، وبعد دقائق حُذفت هذه التغريدة، ولكن الإعلام العبري لم يمر هذا الخطأ مرور الكرام بل اتهم الموساد بـ نشر اخبار غير مؤكدة وكيف أن يخطأ بهذا الشكل.
وبعد مرور عام علي عملية طوفان الاقصي، كشف رئيس الموساد السابق يوسي كوهين، أن خلال فترة عمله قام بتنسيق نقل حقائب الأموال لحماس عند زياراته لـ قطر، وزعم انها ضمن استراتيجية تمكين الحياة الطبيعية في قطاع غزة، وأضاف أن، هذا خطأ فادح من جانب إسرائيل، وأضاف، حظرت من هذا الخطأ قبل ثلاث سنوات، وهذه الاستراتيجية جعلت حماس لديها قوة اقتصادية عظمي بتشجيع من عناصر إسرائيلية.
واخيراً مسؤولية الموساد عن إغفال 7 أكتوبر، خلال لجنة التحقيق في المحكمة العليا الإسرائيلية، تكشف وثائق تم الاستيلاء عليها خلال الحرب في مكاتب كبار مسؤولي حماس بقيادة السنوار، والتي نشرها مؤخراً مركز التراث الاستخباراتي (MLAM)، بوضوح عن الدور الأساسي للموساد في الفشل الاستخباراتي الكبير، وانه المسؤول الوحيد عن المعلومات الاستخباراتية خارج دولة إسرائيل، ويتحمل عبء جمع المعلومات الاستخباراتية والبحث فيها.
كما تُظهر الوثائق أن الموساد لم يتعامل بجدية مع تداعيات ضخ الأموال القطرية إلى حماس بموافقة إسرائيل، رغم أن هذا الملف يقع ضمن نطاق معالجته المباشرة، فقد استمر تدفق الأموال دون قيد، في الوقت الذي كانت فيه حماس والمقاومة يستخدمان هذه الموارد نفسها للتحضير لبدء الحرب، وفق ما كشفته الوثائق.
أخطاء الموساد المتكررة، من اختيار الجواسيس الخاطئين، إلى العمليات الفاشلة على الأراضي الأجنبية، وصولًا إلى فشل التبوء بـ طوفان الأقصى، تكشف نمطًا ثابتًا من سوء التقدير وعدم التعلم من الماضي، يبدو أن الموساد، يلعب علي تلميع صورته الإعلامية فقط، ولا يملك القدرة الكاملة على تعديل استراتيجياته بما يتوافق مع المخاطر الحقيقية، كل فشل جديد هو تكرار لنمط قديم، مما يجعل الدروس التي يمكن أن يستفيد منها الموساد ضائعة، ويتركنا أمام حقيقة واحدة: الأخطاء المتكررة عبر الزمن تثبت أن الموساد عاجز أمام الواقع الميداني.


