في توقيت بالغ الأهمية، وجّه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بسن تشريع ينظم ويقيد استخدام الهاتف المحمول للفئات العمرية الصغيرة، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا لحجم التحديات التي تواجه النشء في عصر التكنولوجيا المفتوحة، وما تحمله الهواتف الذكية من مخاطر تتجاوز حدود الاستخدام الترفيهي لتصل إلى تهديد حقيقي للوعي والسلوك والقيم.
وسرعان ما تفاعل مجلس النواب مع التوجيه الرئاسي، حيث أعلن، تنظيم حوار مجتمعي موسّع عبر لجانه المختصة لإقرار ضوابط لاستخدام الأطفال لمواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وذلك بعد ساعات من توجيه الرئيس السيسي بهذا الشأن خلال احتفالية عيد الشرطة.
وفتح المجلس، في بيان رسمي، الباب أمام جميع الرؤى والأطروحات ذات الصلة من مختلف مؤسسات الدولة المعنية، وفي مقدمتها الحكومة، مؤكدًا تقديره لتوجه الدولة نحو إقرار هذه الضوابط، أسوة بما اتخذته بعض الدول من إجراءات مماثلة، شملت منع أو تقييد استخدام الهواتف المحمولة للأطفال.
ويؤكد هذا التحرك البرلماني أن الدولة تتحرك بشكل مؤسسي ومدروس، واضعة مصلحة الطفل المصري في صدارة أولوياتها، لا سيما في ظل ما كشفته تقارير تربوية ومجتمعية عن التأثيرات السلبية لاستخدام الهاتف المحمول دون ضوابط، سواء داخل المدارس أو خارجها، وما يرتبط بذلك من انتشار الألعاب الإلكترونية الخطرة والمحتوى غير الملائم.
وفي هذا الإطار يمثل تفعيل لائحة السلوك المدرسي، ومنع استخدام الهاتف المحمول داخل المدارس، حجر الزاوية في هذا المسار، فالمدرسة ليست فقط مكانًا لتلقي العلم، بل بيئة أساسية لبناء الشخصية والانضباط. ومن هنا تبرز ضرورة الالتزام الصارم بتطبيق هذا التوجه دون استثناءات، بما يضمن عودة التركيز إلى العملية التعليمية، ويحمي الطلاب من التشتت والانتهاكات الرقمية.
ويُعد تشكيل لجنة متابعة مركزية بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، تحت الإشراف المباشر للسيد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، خطوة ضرورية لضمان الجدية في التنفيذ، مع تكليف فرق تفتيش ميدانية لمتابعة المدارس، ورصد المخالفات، وقياس الأثر الفعلي للقرار على سلوك الطلاب ومستواهم الدراسي.
ولا يكتمل المشهد دون اتخاذ إجراءات حاسمة في الشارع والسوق، من خلال منع بيع كروت الشحن للأطفال، خاصة في المناطق المحيطة بالمدارس، وتنظيم حملات تفتيش دورية على المحال التجارية، مع فرض عقوبات رادعة على المخالفين، بما يحد من الاستخدام غير المنضبط للهاتف المحمول بعيدًا عن رقابة الأسرة.
وفي السياق ذاته، يصبح حصر الألعاب الإلكترونية الخطرة، ومنع تداولها أو تحميلها، بمثابة البداية الحقيقية لحماية الأطفال من محتوى يحرض على العنف أو السلوكيات غير السوية، ويترك آثارًا سلبية عميقة على الصحة النفسية والاجتماعية.
إن توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الملف تستحق كل الإشادة، لأنها تنطلق من رؤية شاملة لبناء الإنسان المصري، وتؤكد أن حماية الطفل لم تعد مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية دولة ومجتمع ومؤسسات.
ويبقى نجاح هذا التوجه مرهونًا بتكامل الأدوار بين الحكومة، والبرلمان، والمدرسة، والأسرة، والإعلام، لضمان تحويل التشريع من نصوص مكتوبة إلى واقع ملموس، ينعكس أمنًا فكريًا وسلوكيًا على أبنائنا، ويضعهم على الطريق الصحيح نحو مستقبل أكثر وعيًا وانضباطًا.


