تشكل التوترات الجيوسياسية والصراعات الدولية تحدياَ بالغ الأهمية للتكتلات الاقتصادية حيث تحدث اضطرابات واسعة النطاق فى الأسواق المالية العالمية وتعطل سلاسل الإمداد العالمية وتؤثر على تدفقات الأستثمار والتجارة وهذه الصراعات لا تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية فقط، بل تزيد من تكاليف النقل والتأمين أيضًا؛ مما يسهم في تفاقم التضخم العالمي ويضع ضغوطاَ على البنوك المركزية لتحقيق التوازن بين مكافحة التضخم والاستجابة للصدمات الجيوسياسية ومثال على ذلك التوترات الجيوسياسية الراهنة مثل(الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات فى الشرق الأوسط ) قد تكبد الاقتصاد العالمي خسائر تقدر بنحو 14.5 تريليون دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة وفقاَ لتقديرات بعض الشركات المتخصصة فى تحليل المخاطر. وتسببت التوترات الجيوسياسية بإعادة تشكيل عميقة لسلاسل الإمداد العالمية، عبر توجهات مثل دعم الأصدقاء “shoringFriend” المستندة إلى تحالفات سياسية واقتصادية؛ فقد أظهر تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD)) أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين دول ذات موقع جيوسياسي متباين انخفضت من 23% في 2013 إلى 13% في 2022، مما يؤشر إلى دخول مرحلة من “تقليص العولمة”.
وقد أوضحت منظمة التجارة العالمية أن الرسوم غير الجمركية والتعريفات زادت بشكل ملحوظ، وهذا يؤدي في معظم التكتلات، مثل الاتحاد الأوروبي وASEAN، إلى إعادة توجيه التجارة نحو الشركاء الأقرب سياسيًّا وجغرافيًّا.
وفى ظل هذا المشهد الجيوسياسى المضطرب تعاملت مصر بحذر عبر مجموعة من الإجراءات الاستباقية التي تهدف إلى امتصاص الصدمات الاقتصادية العالمية ومن أبرز هذه السياسات قرار لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي في مارس 2024 بتطبيق سياسة سعر الصرف المرن، الذي أتاح للسوق تحديد قيمة الجنيه بناءً على آليات العرض والطلب، وهذا القرار ساهم في القضاء على التشوهات التي كانت تضرب سوق الصرف في السنوات السابقة من خلال تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، مما أعاد الثقة للمستثمرين ولأصحاب التعاملات المصرفية.
كما اتبعت مصر سياسة مرنة للتكيف مع الظروف الراهنة من خلال تعزيز الصادرات ودعم السياحة، بالإضافة إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهذه السياسات ساعدت في تخفيف الاعتماد على المصادر التقليدية للاحتياطي النقدي مثل إيرادات النفط، وبالتالي دعم استدامة الاقتصاد المصري على المدى الطويل.
.


