حالة التأهب القصوى في إسرائيل: بين منطق الردع الاستباقي واحتمالات الانفجار الإقليمي الشامل
تشهد إسرائيل في المرحلة الراهنة حالة تأهب عسكري وسياسي غير مسبوقة، تعكس مستوىً عالياً من القلق الاستراتيجي وتراكماً كثيفاً لمؤشرات التصعيد، في ظل استعدادات واضحة لشن هجوم عسكري واسع النطاق قد يستهدف إيران ولبنان في آن واحد أو على مراحل متقاربة. هذه الحالة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد إجراء أمني اعتيادي، بل هي تعبير عن لحظة مفصلية في معادلات الردع الإقليمي، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية الداخلية والخارجية، وتتعاظم مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة ذات تداعيات تتجاوز الجغرافيا المباشرة للصراع.
من منظور استراتيجي، يمكن القول إن حالة التأهب القصوى تعكس إدراكاً إسرائيلياً متنامياً بأن البيئة الأمنية المحيطة باتت أقل قابلية للاحتواء عبر أدوات الردع التقليدية، وأن ما يُعرف بـ”حروب الظل” والعمليات المحدودة لم يعد كافياً لضبط سلوك الخصوم أو كبح تمدد قدراتهم. فالتقدير السائد داخل الدوائر الأمنية الإسرائيلية يفترض أن توازن الردع مع إيران وحلفائها يمر بمرحلة تآكل تدريجي، سواء بسبب التطور النوعي في القدرات الصاروخية والمسيرات، أو نتيجة اتساع مسرح المواجهة ليشمل جبهات متعددة ومتزامنة.
في هذا السياق، تبرز إيران بوصفها مركز الثقل في منظومة التهديدات، ليس فقط باعتبارها دولة ذات برنامج نووي متقدم، بل أيضاً كفاعل إقليمي نجح في بناء شبكة نفوذ عابرة للحدود، قادرة على الضغط على إسرائيل من أكثر من اتجاه. وتتعامل تل أبيب مع هذا الواقع باعتباره تهديداً وجودياً مؤجلاً، لكنه يقترب من التحول إلى تهديد مباشر إذا ما توافرت لإيران القدرة النووية العسكرية أو اقتربت منها بصورة لا يمكن التراجع عنها. من هنا، فإن منطق “الضربة الاستباقية” يعود بقوة إلى صدارة التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، باعتباره الخيار الأقل كلفة مقارنةً بانتظار اكتمال عناصر القوة لدى الخصم.
أما لبنان، فيمثل في الحسابات الإسرائيلية الجبهة الأكثر حساسية وتعقيداً. فالتجربة التاريخية أثبتت أن أي مواجهة واسعة على الجبهة الشمالية تحمل في طياتها مخاطر عالية، نظراً لتداخل البعد العسكري بالبعد المدني، وللقدرة على شل العمق الإسرائيلي عبر كثافة نيرانية غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن التصعيد المتدرج في مستوى الاحتكاك، والتصريحات الإسرائيلية التي تتحدث عن “تغيير قواعد اللعبة”، توحي بأن خيار توسيع المواجهة بات مطروحاً بجدية، خصوصاً إذا ما تم ربطه بسيناريو أوسع يستهدف تقليص النفوذ الإيراني في المشرق.
اللافت في حالة التأهب الحالية أنها لا تقتصر على الجوانب العسكرية البحتة، بل تمتد إلى المجالين السياسي والإعلامي، في محاولة لتهيئة الرأي العام الداخلي لاحتمال الدخول في حرب طويلة ومكلفة. فالمجتمع الإسرائيلي، الذي يعاني أصلاً من انقسامات سياسية حادة وأزمات داخلية متراكمة، يحتاج إلى خطاب تعبوي يعيد توحيد الصفوف حول “التهديد الخارجي”. وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن خطر إيراني وشيك، وعن جبهة شمالية قابلة للاشتعال في أي لحظة، أداة لإعادة إنتاج الإجماع الوطني، ولو بصورة مؤقتة.
في المقابل، لا يمكن إغفال البعد الدولي في معادلة التصعيد. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن أي عملية واسعة النطاق ضد إيران أو لبنان ستفرض عليها كلفة سياسية ودبلوماسية عالية، وقد تضع حلفاءها الغربيين في موقف حرج. لذلك، تحرص القيادة الإسرائيلية على إدارة حالة التأهب ضمن هامش يسمح بالحصول على ضوء أخضر ضمني، أو على الأقل تفهم دولي، يستند إلى سردية “الدفاع عن النفس” ومنع انتشار السلاح النووي. غير أن هذا الهامش يظل محدوداً، خاصة في ظل انشغال القوى الكبرى بملفات دولية أخرى، وتنامي الدعوات إلى ضبط النفس وتفادي التصعيد.
من زاوية تحليلية أوسع، يمكن النظر إلى حالة التأهب القصوى بوصفها جزءاً من معركة إرادات، لا تقل فيها الحرب النفسية أهمية عن التحضيرات الميدانية. فرفع مستوى الجاهزية، وتسريب معلومات عن خطط عسكرية محتملة، وإجراء مناورات واسعة النطاق، كلها أدوات تهدف إلى توجيه رسائل ردع متعددة الاتجاهات: إلى الخصوم، لثنيهم عن اتخاذ خطوات تصعيدية؛ وإلى الحلفاء، لإظهار الجدية والاستعداد؛ وإلى الداخل، لتعزيز الثقة بالمؤسسة العسكرية. غير أن هذا النهج يحمل في طياته خطراً كامناً، يتمثل في أن كثافة الرسائل قد تتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها، حيث يصبح التراجع مكلفاً سياسياً، وتضيق هوامش المناورة.
في المحصلة، تبدو المنطقة أمام لحظة شديدة الهشاشة، حيث تتداخل الحسابات العقلانية مع الانفعالات السياسية، وتتعاظم احتمالات الخطأ في التقدير. فالهجوم على إيران أو لبنان، إن وقع، لن يكون مجرد عملية عسكرية محدودة، بل قد يشكل شرارة لسلسلة تفاعلات يصعب السيطرة عليها، تمتد آثارها إلى الأمن الإقليمي وأسواق الطاقة والاستقرار الدولي. وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال المركزي: هل تمثل حالة التأهب القصوى أداة ردع ناجحة تمنع الحرب، أم أنها خطوة أولى على طريق مواجهة شاملة باتت أقرب مما يعتقد الكثيرون؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على قدرة الأطراف كافة على إدارة التصعيد بعقل بارد، في بيئة لم تعد تحتمل أخطاء كبرى.


