لقد كرّم الله تعالى الإنسان تكريمًا عظيمًا، وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض، من برٍّ وبحرٍ وفضاء، ليكون معينًا له على أداء رسالته في الحياة. وهذا التكريم ليس حكرًا على لون أو عرق أو معتقد، بل هو تكريم عام لبني آدم جميعًا، إذ الناس في ميزان الله سواسية، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقويٍّ على ضعيف، إلا بما يحمله القلب من تقوى، وما يجسّده العمل من صلاح. وقد صدق قول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
ومن العوامل التي تُرسِّخ هذه الرؤية الإسلامية للإنسان، تحريم الإسلام للازدراء والسخرية، ومنعه التنابز بالألقاب؛ إذ لا يليق بكرامة الإنسان أن تُشوَّه بكلمة جارحة، ولا أن يُهان بمسمّى يُلصق به ، فاللسان إذا تجرّد من رحمة الإيمان صار سلاحًا يجرح أشد من السيوف، والإسلام جاء ليطهّر النفوس من هذه الآفات، وليحفظ للإنسان إنسانيته في أدق تفاصيل التعامل.
وكذلك حرم الإسلام نظرة الدونية من إنسانٍ إلى أخيه الإنسان، وعدّها معصية تستوجب العقاب الأخروي، بل إنها تُعرِّض صاحبها لسخط الله تعالى. فالاحتقار ليس مجرد نظرة عابرة، بل جرحٌ لروح الأخوة، وهدمٌ لركنٍ من أركان التكريم الإلهي للإنسان. ومن استصغر أخاه فقد استهان بآية الله في خلقه، وعرّض نفسه لغضب مولاه.
ولذلك كانت أول معصية في السماء قبل أن تطأ الأرض هي معصية الازدراء. فقد نظر إبليس إلى آدم عليه السلام نظرة استعلاء، فرأى نفسه خيرًا منه، محتجًّا بأصل خلقته: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]. فظن أن النار أشرف من الطين، وغاب عنه أن الكرامة عند الله ليست بالمادة التي خُلق منها الجسد، بل بما يحمل القلب من طاعة وإيمان. فكان جزاء استكباره وازدرائه أن ظهر على حقيقته الشيطانية، فاستحق لعنة الله الأبدية، وأُخرج من الجنة، وضُربت عليه الذلة، وأُوجب له الخلود في نارٍ تلظى.
وما أشبه مواقف البشر اليوم بموقف إبليس بالأمس! فما زال كثير من الناس يقعون في هذه الآفة، فيفضّلون قومًا على قوم، ويرفعون دولًا على أخرى، ويمنحون مكانةً لأناس دون غيرهم، لا لفضلٍ في دين أو خلق، بل للونٍ أو لسانٍ أو مالٍ أو نسب. بينما يُلقى بآخرين في دركات الدونية لمجرد افتقارهم لهذه الأوصاف. وتُنسى القاعدة الكبرى التي قررها الوحي: أن التفاضل عند الله إنما هو بالتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وها هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ذلك الصحابي الجليل، الفقيه المحدّث، الذي كان رسول الله ﷺ يُحب أن يسمع منه القرآن، وكان يقول: «من أراد أن يسمع القرآن كما أُنزِل، فليسمعه من ابن أم عبد» (رواه أحمد بسند صحيح برقم 4328). صعد يومًا إلى نخلة يقطع منها، فانكشفت ساقاه، وكانت دقيقتين نحيفتين، فضحك بعض الصحابة من منظرهما. فرآهم رسول الله ﷺ، فأوقف ضحكهم بدرسٍ نبوي عظيم، فقال: «أتضحكون من دِقَّة ساقيه؟! إنهما في الميزان أثقل من جبل أحد» (رواه أحمد بإسناد حسن برقم (3991)). وصحابي آخر كان قائمًا في السوق يبيع تجارته، فاحتضنه النبي ﷺ من خلفه مداعبًا إياه وقال: «من يشتري هذا العبد؟» فالتفت الصحابي، فإذا هو رسول الله ﷺ، فقال متواضعًا بين يدي معلم البشرية: بضاعة كاسدة يا رسول الله. فأجابه النبي الأكرم بكلمات تفيض بالحب والكرامة: «بل أنت عند الله رابح» (رواه أحمد بسند حسن برقم 12648).
وهنا يضع النبي ﷺ قاعدة خالدة: أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمالٍ ولا بمكانته في الأسواق، بل بوزنه عند الله تعالى. فكأن النبي ﷺ يمحو بطرافة مزاحه ما قد يطرأ من شعورٍ عابرٍ بالنقص أمام مقاييس الدنيا، ليغرس مكانه عزة الإيمان وكرامة الانتماء إلى هذا الدين.
وهذه المرأة السوداء التي ابتليت بالصرع، فكانت تُصرع في الطريق فتسقط أرضًا وينكشف منها ما تكره، ولولا ضيق ذات اليد لامتلكت ما يستر جسدها ظاهرًا وباطنًا، ولكنها لم تكن تملك إلا ثوبًا واحدًا. فلما أضاء الله قلبها بنور الإسلام، شقّ عليها أن تُرى في تلك الحال، فجاءت إلى النبي ﷺ تسأله أن يدعو الله لها بالشفاء. فقال لها المعلّم والمربي، الذي لا ينطق عن الهوى: «إن صبرتِ فلكِ الجنة» (متفق عليه، صحيح البخاري: رقم 5652). فاختارت الآخرة وما أعدّه الله للصابرين، ثم سألت أن يدعو لها ألّا تنكشف عند الصرع، فاستجاب لها ﷺ، فكانت إذا أصابها المرض لا تنكشف.
وهذا الحال لم يكن خاصًا بها، بل كان واقعًا تعيشه كثير من نساء المسلمين في زمن النبوة، حيث الواحدة منهن لا تملك إلا ثوبًا واحدًا تحيض وتصلي فيه. ولذا لما أمرهن النبي ﷺ بالخروج إلى صلاة العيد، قالت إحداهن: يا رسول الله، ومَن لا يكون لها جلباب؟ فقال ﷺ: «لتُلبسها أختها من جلبابها» (متفق عليه، وهو في صحيح مسلم برقم (890)).
وهنا تتجلى عظمة الإسلام في أبهى صورها؛ فلم يُقصِ هذه المرأة بسبب لونها، ولم يهملها لفقرها، ولم ينقص من قدرها لمرضها، بل رفع شأنها، وجعل صبرها جواز عبور إلى الجنة. وهكذا يعلّمنا النبي ﷺ أن العنصرية بكل صورها، سواء كانت بسبب اللون أو الفقر أو العجز، لا مكان لها في ميزان الله، وأن ميزان الكرامة الحقيقي لا يقوم إلا على الإيمان والتقوى.
وهكذا يثبت الإسلام أنه الدين الذي جمع بين القلوب، وألغى الفوارق الواهية التي اصطنعها البشر، ليبني مجتمعًا متماسكًا، أساسه التكريم الإلهي، وعماده الأخوة الإنسانية، وميزانه التقوى. فإن أردنا أن نطهر واقعنا من داء العنصرية فعلينا أن نعود إلى منبع الهداية، حيث قال النبي ﷺ في خطبة الوداع: «أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى» (رواه أحمد بإسناد حسن برقم 23489). والله تعالى أعلى وأعلم.


