NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د.ياسمين جمال تكتب: الألعاب الإلكترونية وتأثيرها على الأطفال.. بين المتعة والمخاطر وسبل الحماية

محتوي الخبر

في السنوات الأخيرة، لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه عابرة في حياة الأطفال، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من يومهم، بل ومن تشكيل عالمهم الخاص. فمع التطور التكنولوجي المتسارع، تحولت هذه الألعاب إلى بيئات تفاعلية جذابة، تجمع بين التحدي والإثارة والتشويق، مما يجعل الطفل ينجذب إليها بسهولة، ويقضي أمامها ساعات طويلة دون أن يشعر بمرور الوقت. غير أن هذا الحضور المكثف يفرض علينا التوقف والتأمل: إلى أي مدى تؤثر هذه الألعاب على أطفالنا؟ وكيف يمكننا التعامل معها بوعي دون إفراط أو تفريط؟.

ففي البداية، من المهم الإشارة إلى أن الألعاب الإلكترونية ليست شرًا مطلقًا، كما أنها ليست خيرًا كاملًا. فبعضها يساهم في تنمية مهارات معينة لدى الطفل، مثل سرعة الاستجابة، وحل المشكلات، والتفكير الاستراتيجي، خاصة إذا كانت مصممة بشكل تعليمي أو تفاعلي إيجابي. كذلك، قد تمنح الطفل شعورًا بالإنجاز، وتساعده على الترفيه والتخفيف من ضغوط اليوم. ومن جهة أخرى، تتيح بعض الألعاب فرصًا للتواصل مع الأصدقاء، خاصة في ظل نمط الحياة الرقمية الذي نعيشه اليوم.

إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الألعاب، بل في طبيعة استخدامها وحدوده. فحين يتحول اللعب من نشاط ترفيهي محدود إلى نشاط مسيطر، تبدأ الآثار السلبية في الظهور تدريجيًا، دون أن ننتبه لها في البداية. ومن أبرز هذه الآثار، التأثير على التركيز والانتباه، حيث يعتاد الطفل على نمط سريع من التحفيز المستمر، مليء بالألوان والحركة والمكافآت الفورية. ومع الوقت، يجد صعوبة في التفاعل مع الأنشطة التي تتطلب صبرًا وتركيزًا، مثل الدراسة أو القراءة، لأنها تبدو أقل إثارة بالمقارنة.

كذلك، لا يمكن إغفال التأثير على النوم، إذ يرتبط الاستخدام المفرط للألعاب — خاصة في ساعات الليل — باضطرابات في مواعيد النوم وجودته. فالضوء المنبعث من الشاشات، إضافة إلى حالة الإثارة الذهنية التي تخلقها الألعاب، قد تجعل من الصعب على الطفل الاسترخاء والدخول في نوم هادئ، وهو ما ينعكس على نشاطه وتركيزه خلال اليوم التالي.

ومن ناحية أخرى، قد تؤثر بعض الألعاب — خاصة تلك التي تعتمد على العنف أو المنافسة الشديدة — على سلوك الطفل وانفعالاته. فالتعرض المستمر لهذا النوع من المحتوى قد يزيد من حدة التوتر أو العصبية، أو يدفع الطفل إلى تقليد بعض السلوكيات دون وعي. كما أن الخسارة المتكررة داخل اللعبة قد تولد شعورًا بالإحباط، يظهر في صورة انفعال أو غضب سريع.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية. فبعض الأطفال يميلون إلى الانسحاب من التفاعل الواقعي، مفضلين قضاء وقت أطول في العالم الافتراضي. ومع الوقت، قد تقل فرص التواصل الحقيقي مع الأسرة أو الأصدقاء، وهو ما يؤثر على مهاراتهم الاجتماعية وقدرتهم على التعبير والتفاعل.

كما تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي الاعتياد والإدمان السلوكي. فبعض الألعاب تعتمد على نظام المكافآت المستمرة، الذي يشجع الطفل على الاستمرار دون توقف، مما قد يجعله يشعر بصعوبة في الانفصال عنها، أو فقدان الاهتمام بأي نشاط آخر. وهنا، لا يكون الأمر مجرد تفضيل، بل يتحول إلى ارتباط نفسي يحتاج إلى إدارة واعية.

وفي ظل هذه التحديات، لا يكون الحل في المنع الكامل، لأن ذلك قد يأتي بنتائج عكسية، فيزيد من فضول الطفل ورغبته في الاستخدام بشكل خفي. بل إن الحماية الحقيقية تبدأ من التوازن والوعي. فمن المهم وضع قواعد واضحة لاستخدام الألعاب، تتناسب مع عمر الطفل، وتشمل تحديد وقت يومي مناسب، مع الالتزام به بشكل هادئ وثابت.

كذلك، يلعب اختيار نوعية الألعاب دورًا أساسيًا، فليس كل ما يُعرض مناسبًا لكل الأعمار. ومن هنا، ينبغي على الأهل متابعة محتوى الألعاب، والتأكد من ملاءمته، والابتعاد عن تلك التي تحتوي على عنف مفرط أو رسائل غير مناسبة.

ومن جهة أخرى، فإن مشاركة الأهل تُعد من أكثر الوسائل فاعلية. فعندما يشارك الأب أو الأم الطفل في اللعب أو في اختيار اللعبة، يصبح هناك تواصل وفهم مشترك، كما تُفتح مساحة للحوار حول ما يحدث داخل اللعبة، وما يمكن تعلمه منها. وهذا التفاعل يحوّل اللعبة من نشاط فردي منعزل إلى تجربة مشتركة أكثر توازنًا.

ولا يقل أهمية عن ذلك، توفير بدائل واقعية جذابة، مثل الرياضة، أو الأنشطة الفنية، أو قضاء وقت عائلي حقيقي. فالطفل لا يترك الشاشة لمجرد المنع، بل حين يجد ما هو أكثر إشباعًا لاهتمامه وطاقته.

كما أن التوعية تلعب دورًا محوريًا، إذ يحتاج الطفل — بحسب عمره — إلى فهم مبسط لكيفية تأثير الاستخدام المفرط عليه، حتى يشارك في ضبط سلوكه بنفسه. فالتربية الحديثة لا تعتمد فقط على التوجيه، بل على بناء وعي داخلي لدى الطفل.

لذا، يمكن القول إن الألعاب الإلكترونية تمثل جزءًا من واقع لا يمكن تجاهله، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى إدارة واعية. فالتحدي ليس في إبعاد أطفالنا عن التكنولوجيا، بل في تعليمهم كيف يستخدمونها دون أن تتحكم فيهم. وحين يتحقق هذا التوازن، يمكن أن نحافظ على متعة الطفل، دون أن تتحول إلى عبء يؤثر على نموه النفسي أو سلوكه أو علاقاته.

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com