قال الدكتور مظهر شاهين، إمام وخطيب مسجد عمر مكرم وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إن يوم عرفة من أعظم أيام الله تعالى، ومن أجلّ مواسم الطاعة والرحمة والمغفرة، فهو يوم تتنزل فيه النفحات، وتُقال فيه العثرات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُفتح فيه أبواب الرجاء أمام العباد، حجاجًا كانوا أو غير حجاج. وقد اختص الله هذا اليوم بمكانة عظيمة، وجعله من أيام الفضل التي ينبغي للمؤمن أن يستقبله بقلب حاضر، ونفس مقبلة، وعزم صادق على الطاعة والتوبة والإنابة.
وأشار شاهين، الي آن قد أقسم الله تعالى بهذه الأيام المباركة فقال: «والفجر وليال عشر»، وهي عند جمهور أهل العلم عشر ذي الحجة، ويوم عرفة هو أعظم أيامها وأجلّها قدرًا، لما فيه من اجتماع معاني العبادة والخضوع والدعاء والتوبة، ولما يشهده من موقف عظيم يقف فيه الحجيج على صعيد عرفات، متجردين من زينة الدنيا، متوجهين إلى رب واحد، يرجون رحمته ويخافون عذابه.
وتابع شاهين، قد ذكر القرآن الكريم هذا الموقف العظيم في قوله تعالى: «فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين»، وهي آية كريمة تؤكد أن الوقوف بعرفة وما يعقبه من ذكر الله من شعائر الحج العظيمة، وأن الهداية إلى هذه المناسك نعمة تستوجب الشكر والذكر والخضوع لله تعالى.
وأضاف إمام وخطيب مسجد عمر مكرم، يكفي يوم عرفة فضلًا أن الله تعالى يباهي بأهل الموقف ملائكته، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟»، وهذا يدل على عظم هذا اليوم، وسعة رحمة الله فيه، وكثرة ما يمنّ به على عباده من العفو والمغفرة والعتق من النار.
وأوضخ الدكتور مظهر شاهين، إن يوم عرفة هو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، فقد نزل فيه قول الله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا»، وهي آية عظيمة تذكّر الأمة بأن الإسلام نعمة كبرى، وأن تمام الدين يقتضي من المسلم أن يعتز بإيمانه، وأن يعيش في ظل هذا الدين رحمة واستقامة وخلقًا وسلامًا.
وأوضح شاهين، أما الحاج، فإن يوم عرفة هو ركن الحج الأعظم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، ولذلك ينبغي للحاج أن يغتنم هذا اليوم في الذكر والدعاء والتضرع، وأن يكثر من الاستغفار والتلبية، وأن يبتعد عن اللغو والخصام، وأن يستحضر أنه في موقف عظيم يشبه مواقف الآخرة.
وتابع، أما غير الحاج، فله في هذا اليوم نصيب عظيم من الخير، ومن أعظم ما يُستحب له صيام يوم عرفة، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية»، وهذا فضل واسع من الله تعالى، يدل على أن أبواب الخير في هذا اليوم ليست مقصورة على الحجاج وحدهم، بل تمتد إلى كل مسلم في أي مكان.
وأشار الي أن من أعظم الأعمال في يوم عرفة الدعاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، فينبغي للمسلم أن يكثر من الدعاء لنفسه وأهله ووطنه وأمته، وأن يسأل الله الهداية والمغفرة والستر والعافية وصلاح الحال، وأن يدعو للمستضعفين والمكروبين والمرضى والمحتاجين، موقنًا أن الله قريب مجيب.
وأوضح إمام وخطيب مسجد عمر مكرم، كما ينبغي في هذا اليوم الإكثار من التهليل والتكبير والتحميد، ومن أفضل ما يقال ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، فهذه الكلمات تجمع معاني التوحيد والتعظيم والتسليم لله تعالى.
وأضاف إمام وخطيب مسجد عمر مكرم، يوم عرفة فرصة عظيمة للتوبة الصادقة، فليس المقصود من مواسم الطاعة أن تمر على الإنسان مرورًا عابرًا، وإنما المقصود أن تغيّر قلبه، وتوقظ ضميره، وترده إلى الله ردًا جميلًا. فليجعل كل واحد منا هذا اليوم بداية جديدة مع الله، يراجع فيها نفسه، ويستغفر من ذنبه، ويرد المظالم إلى أهلها، ويصل رحمه، ويبر والديه، ويعزم على ترك المعاصي والذنوب.
وأوضح إمام وخطيب مسجد عمر مكرم، من المعاني الجليلة في يوم عرفة أنه يربي الأمة على الوحدة والمساواة، فالحجيج يقفون في مكان واحد، بثياب واحدة، يرددون نداءً واحدًا: لبيك اللهم لبيك، لا فرق بين غني وفقير، ولا قوي وضعيف، ولا عربي وأعجمي، إلا بالتقوى والعمل الصالح. وهذا درس عظيم بأن كرامة الإنسان ليست بما يملك أو بما يلبس، وإنما بما يحمله قلبه من إيمان وتقوى وخير للناس.
وتابع شاهين، إذا كان يوم عرفة يوم رحمة ومغفرة، فإنه كذلك يوم عمل وإصلاح، فلا يصح أن يطلب الإنسان من الله العفو وهو مصرّ على ظلم الناس، أو قطيعة الرحم، أو أكل الحقوق، أو إيذاء الخلق. فالدين عبادة وسلوك، وصلاة ومعاملة، ودعاء وإصلاح، ومن صدق مع الله في عبادته ظهر أثر ذلك في أخلاقه وتعامله مع الناس.
وتابع شاهين، إنه على المسلم أن يحسن اغتنام هذا اليوم بتنظيم وقته بين الصيام إن كان غير حاج، والذكر، وقراءة القرآن، والدعاء، والصدقة، وصلة الرحم، والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، وأن يحرص على أن يكون قلبه حاضرًا لا مشغولًا بالغفلة واللهو.
وفي الختام، فإن يوم عرفة رسالة ربانية متجددة بأن أبواب الرحمة مفتوحة، وأن الله تعالى يقبل التائبين، وأن العبد مهما قصّر أو أخطأ، فإن طريق الرجوع إلى الله لا يزال ممدودًا أمامه. فلنغتنم هذا اليوم العظيم بالدعاء والتوبة والعمل الصالح، ولنسأل الله أن يكتب لنا فيه المغفرة والرحمة والعتق من النار، وأن يحفظ بلادنا وأمتنا، وأن يردنا إليه ردًا جميلًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


