حين أطلقت الحكومة المصرية الإصدار الأول من وثيقة سياسة ملكية الدولة في نهاية عام 2022، كان السؤال المحوري بسيطاً في ظاهره: من أي القطاعات ستخرج الدولة؟ وجاءت الإجابة خريطةً صنفت 62 نشاطاً للتخارج الكامل، و56 للتثبيت أو التخفيض، و 76 للتثبيت أو الزيادة. أما الإصدار الثاني الذي أُطلق في يونيو 2026 تحت عنوان «تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر»، فقد غيّر السؤال نفسه: لم يعد المطروح من أين تنسحب الدولة بل كيف تدير ما تملكه بكفاءة وعائد أعلى. وهذا انتقال في فلسفة إدارة الاقتصاد المصري من منطق «التخلّص من الأصول» إلى منطق «الإدارة الاحترافية للأصول»، وهو في تقديري أكثر نضجاً وجدوى من سابقه.
و لاشك ان الإصدار الثاني ضرورة لم تأتِ إعادة الصياغة من فراغ، بل استجابةً لثلاثة ضغوط متداخلة و هي بيئة خارجية مضطربة خلال 2023–2025 جمعت بين رفع أسعار الفائدة عالمياً واختلال سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية وهي ظروف اعترفت الحكومة بأنها جعلت تنفيذ النسخة الأولى أصعب من طموحاتها وضغط داخلي تمثّل في مطالب الحوار الوطني بمراجعة منطق الخروج من بعض القطاعات؛ ونضوج الإطار القانوني بصدور القانون رقم 170 لسنة 2025 المنظّم لأحكام ملكية الدولة في الشركات المملوكة لها أو المساهِمة فيها.
لكن المحرّك الأعمق كان معالجة الانتقادات الجوهرية للإصدار الأول: غياب مؤشرات أداء وتنفيذ ونتائج وأثر اقتصادي واضحة، وبطء التطبيق، والانزلاق نحو بيع الأصول بدل تعظيم قيمتها و عدم وجود اطروحات في البورصه المصريه رغم الإعلان عنها اكثر من مره ويتضح الخلل في الحصاد نفسه: فبالقياس الموسّع بلغت الطروحات نحو 25 صفقة بقيمة 37 مليار دولار، لكن وفق منهجية صندوق النقد الدولي — التي تستبعد صفقات الاستثمار في الاراضي تنكمش الحصيلة إلى نحو 5,9 مليار دولار من خلال 23 صفقة في عشرين شركة. هذه الفجوة تكشف أن معظم «الإنجاز» جاء من بيع أصول عقارية لمرة واحدة لا من تخارج حقيقي من النشاط الإنتاجي أي أن النسخة الأولى حقّقت هدفاً تمويلياً عابراً أكثر من هدف هيكلي دائم، وهو ما يسعى الإصدار الثاني إلى تصحيحه.
من خلال التحول الفلسفي وتطوّر وحدة التحليل.
حيث ان جوهر الإصدار الثاني هو الانتقال من «إدارة الأصول» إلى «إدارة دور الدولة». لم تعد الوثيقة وثيقة انسحاب، بل إطاراً حاكماً يعيد تعريف موقع الدولة، حيث خصص فيها قسم بعنوان «الدور الاقتصادي للدولة» تتحوّل فيه الدولة من فاعل يدير النشاط مباشرة إلى منظّم محايد وضامن للحياد التنافسي ومالك استراتيجي وممكّن للقطاع الخاص في آن واحد — وهو فرق نوعي عن النسخة الأولى التي اختزلت الدور في معادلة ثنائية: إما البقاء وإما الخروج.
وتقوم الفلسفة الجديدة على الإدارة الفاعلة لمحفظة الأصول.
لا على التخلّص منها بأي ثمن، بهدف تحويل الأصول الجامدة وغير المستغَلّة وحتى الخاسرة إلى أصول تدرّ دخلاً وكيانات رابحة قبل أي قرار بشأن طرحها. وهنا تكمن الحكمة: الأصل الخاسر يُباع بأبخس قيمة، أما الأصل الذي تُرفع كفاءته أولاً فيتحوّل بيعه —إن حدث — إلى صفقة تعظّم المال العام وتجذب مستثمراً استراتيجياً. ويعزّز ذلك تطوّر في وحدة التحليل نفسها من القطاع إلى الأصل: فالقطاع الواحد يضمّ شركات متباينة، والتعامل مع كل شركة على حدة يمنح الدولة مرونة لتطوير شركة وإعادة هيكلة أخرى وطرح ثالثة والإبقاء على رابعة داخل القطاع نفسه، فتتحوّل السياسة من شعار عام إلى أداة قابلة للقياس.
و في الإصدار الثاني ادرك أن أكبر عقبة واجهت سابقه كانت في الحوكمة، تحديداً تداخل الاختصاصات بين الجهات المالكة. ولذلك طوّر هيكل إدارة الملكية بما يعزّز مركزية إدارة الأصول وينظّم تبعية الشركات ويرفع كفاءة الإشراف الاستثماري. وتأسيس ذراع احترافية لإدارة الأصول مع توزيع واضح للأدوار بين وزارة المالية معبرة عن مصلحة الخزانة والصندوق السيادي أداة لتعظيم القيمة ووحدة الشركات المملوكة للدولة جهة للإشراف، يقلص التداخل الذي طالما عطل القرار وأضعف المساءلة. ويبقى الشرط الحاكم هو الفصل الكامل بين دور الدولة كمنظم للسوق ودورها كمستثمر فيه فمن دونه ينشأ تضارب مصالح يجعل ضمان الحياد التنافسي مستحيلاً وتظلّ مبادئ تكافؤ الفرص حبراً على ورق. هذا الفصل هو حجر الزاوية في مصداقية الوثيقة أمام المستثمر.
الهيئات الاقتصادية والإصلاحات المالية
و من أهم إضافات الإصدار الثاني إدماجه إصلاح الهيئات الاقتصادية لأول مرة ضمن إطار سياسة ملكية الدولة وهي تمثل جزءاً ضخماً من النشاط الاقتصادي، وبعضها يحقق خسائر متراكمة، فاستهداف إعادة هيكلتها وتصنيفها يوسع نطاق الإصلاح إلى تكتلات ظلت خارج دائرة الضوء. كما خصصت الوثيقة ايضا مساحة للإصلاحات المالية الداعمة لبيئة الأعمال من إصلاح ضريبي وجمركي وتحول رقمي وتبسيط للإجراءات عبر منصة موحدة للكيانات الاقتصادية تجمع التراخيص في نافذة واحدة. وهذه الإصلاحات هي المحدد الحقيقي لقدرة القطاع الخاص على ملء الفراغ، إذ التخارج بلا بيئة محفزة يعني نقل الاحتكار من يد الدولة إلى يد خاصة، لا قيام سوق تنافسي. وعلى نقيض الإصدار الأول الذي عابه غياب أدوات القياس، أرسى الإصدار الثاني منظومة متكاملة للمتابعة وقياس الأثر تربط كل هدف بمؤشرات تنفيذ ونتائج قابلة للرصد، فتتحول الوثيقة من إعلان نوايا إلى إطار خاضع للمساءلة.
الأثر المتوقع وشروط النجاح
وإذا نجح التنفيذ امتدّ الأثر إلى قلب المالية العامة حيث ان رفع كفاءة الشركات وإعادة هيكلة الخاسر منها يخفض او يلغي الدعم الموجه إليها ويخفض الاحتياجات التمويلية الحكومية، ومن ثمّ ينخفض الاقتراض الحكومي كما يدعم ذلك تحسين التصنيف الائتماني، لأن المؤسسات الدولية تنظر بإيجابية إلى وضوح دور الدولة ورفع كفاءة الأصول وتعزيز المنافسة فمساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي 65% والمستهدَف رفعها الي 80% قبل 2030.
وهذا هو الاختبار الفعلي أن تنتقل ريادة الاستثمار لا الناتج وحده، إلى القطاع الخاص ليقود النمو، فيما تحتفظ الدولة بالأنشطة الاستراتيجية والسيادية.
والتحوّل الأهم أن مصر لم تعد تتحدّث عن «الخروج من الاقتصاد» بل عن «إعادة تعريف دورها فيه»: من دولة تدير النشاط مباشرة إلى دولة تدير أصولها بكفاءة وتفسح المجال للقطاع الخاص. لكن العبرة تظل في التنفيذ فنجاح الوثيقة مرهون بسرعة الإنجاز، وبالانضباط المؤسسي الذي يمنع تحوّل «إدارة الدور» إلى ذريعة لإبطاء التخارج تحت شعار تعظيم العائد، وبالمتابعة عبر مؤشرات أثر صارمة، وبالفصل الكامل بين الدولة المنظِمة والدولة المستثمرة. فإن توافرت هذه الشروط اصبح الإصدار الثاني نقطة تحول فعلية في بنية الاقتصاد المصرى.


