NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د. أحمد جلال يكتب: من وادي النمل إلى عرش سبأ.. أعظم رحلة استخبارات في عالم الحيوان

محتوي الخبر

لم تكن أول عملية استطلاع في التاريخ من تنفيذ جيش جرار، ولا قامت بها أجهزة استخبارات معقدة، بل نفذها طائر صغير لا يتجاوز حجمه بضع عشرات من السنتيمترات. وفي المقابل، لم يكن أول إنذار مبكر لحماية مدينة يصدر عن برج مراقبة أو نظام رادار، بل أطلقته نملة رأت الخطر قبل وقوعه. وبين النملة والهدهد يرسم القرآن الكريم واحدة من أعمق الصور عن قيمة المعلومة، ودقة الملاحظة، وأهمية التواصل في صناعة القرار.

بدأت القصة في وادي النمل، حيث كانت جيوش سليمان عليه السلام تتقدم في نظام مهيب يضم الإنس والجن والطير. رأت النملة المشهد من زاوية لا يراها غيرها، فأطلقت نداءً عاجلًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. لم يكن النداء تعبيرًا عن خوف فردي، بل قرارًا قياديًا لحماية مجتمع كامل، يجمع بين سرعة الاستجابة، ودقة التقدير، وحسن الظن؛ إذ قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، فلم تتهم جيش سليمان بالتعمد.

ثم ينتقل المشهد إلى السماء، حيث يغيب الهدهد عن صفوف الطير، فيسأل عنه سليمان. وما إن يعود حتى يقدم تقريرًا يبدأ بثقة: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾. لم يكن كلامه ادعاءً، بل معلومات موثقة جمعها بنفسه: وصف نظام الحكم، وأشار إلى قوة المملكة، وحدد موطن الخلل العقدي، ثم اقترح ضمنيًا ضرورة التحرك.

إنها، بلغة العصر، مهمة استطلاع متكاملة: رصد، وتحليل، وتقييم، ثم رفع تقرير إلى القيادة لاتخاذ القرار. والأكثر إثارة أن سليمان عليه السلام لم يعتمد على المعلومة مباشرة، بل قال: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. إنه مبدأ التحقق من الأخبار قبل بناء القرارات عليها، وهو من أهم أسس العمل الاستخباراتي والإعلامي الحديث.

وهكذا يضع القرآن أمامنا نموذجين متكاملين: النملة التي تمثل منظومة الإنذار المبكر وحماية المجتمع، والهدهد الذي يمثل الاستطلاع وجمع المعلومات الدقيقة. كلاهما صغير الحجم، لكن أثرهما كان عظيمًا، وكلاهما أدى دوره بأمانة وكفاءة.

واليوم، يكشف العلم أن النمل يمتلك شبكات اتصال كيميائية معقدة، قادرة على نقل الإنذارات وتنظيم حركة المستعمرة في ثوانٍ، بينما يتمتع الهدهد بقدرات ملاحية وبصرية تساعده على استكشاف البيئات الواسعة ورصد التفاصيل. وكأن القرآن سبق إلى توجيه الأنظار نحو أنظمة اتصال ومراقبة أودعها الله في هذه المخلوقات قبل أن يكتشفها الإنسان بقرون طويلة.

إن الطريق الممتد من وادي النمل إلى عرش سبأ ليس مجرد انتقال جغرافي، بل رحلة فكرية تعلمنا أن الحضارات تُبنى بالمعلومة الصحيحة، وأن القيادة الناجحة تبدأ بحسن الإصغاء، وأن أصغر المخلوقات قد تحمل أعظم الرسائل. ففي عالم تتنافس فيه الدول على امتلاك أدق المعلومات وأسرع وسائل الاتصال، يذكرنا القرآن بأن قيمة الخبر لا تقاس بحجم ناقله، بل بصدقه، ودقته، وأثره في تحقيق الحق والعدل.

لعل أعظم درس تقدمه هذه القصة أن القوة لا تكفي وحدها، وأن الجيوش مهما بلغت عظمتها تحتاج إلى عين ترصد، وعقل يحلل، وقيادة تتحقق قبل أن تقرر. وهذه هي المعادلة التي جعلت من رحلة الهدهد من وادي النمل إلى عرش سبأ واحدة من أعظم قصص الاستخبارات والاتصال في تاريخ الإنسانية.

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com