أكد هاني دنيا، خبير تكنولوجيا المعلومات والمتخصص في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، أن قوة الدول لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية، بل أيضًا بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرارات وخدمات وقيمة اقتصادية، ثم حماية هذه المنظومة من الاختراق والتعطيل.
وقال دنيا، إن الاقتصاد الرقمي والتحول الرقمي والأمن السيبراني أصبحت عناصر مترابطة لا يمكن الفصل بينها، مؤكدًا: «لا اقتصاد رقمي دون تحول رقمي، ولا تحول رقمي دون أمن سيبراني».
وأوضح أن التحول الرقمي لم يعد مجرد مشروع تقني تنفذه إدارات تكنولوجيا المعلومات، بل أصبح مشروعًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يؤثر في تنافسية الدول وكفاءة المؤسسات وقدرتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يساعد الحكومات والمؤسسات على تحليل كميات ضخمة من البيانات، وتحسين استخدام الموارد، وتقليل الهدر، وتسريع الخدمات، ودعم اتخاذ القرار بصورة أكثر دقة.
في قطاع الطيران، يمكن استخدام بيانات التشغيل والصيانة للتنبؤ باحتياجات الطائرات وتقليل التوقفات غير المخطط لها. وفي الرعاية الصحية، تساعد الأنظمة الذكية الأطباء في تحليل الصور الطبية وتقدير المخاطر وترتيب الحالات التي تحتاج إلى تدخل سريع، مع بقاء القرار الطبي في يد المتخصص.
وفي الزراعة، يمكن دمج صور الأقمار الصناعية والمستشعرات والبيانات المناخية لتحديد احتياجات المحاصيل من المياه والأسمدة، والكشف المبكر عن الأمراض والآفات، وتقليل استهلاك الموارد. كما تساعد الصيانة التنبؤية المصانع على اكتشاف مؤشرات الخلل قبل توقف خطوط الإنتاج، بينما يمكن للحكومات تحليل بيانات المرور والكثافة السكانية والنشاط الاقتصادي لتخطيط الطرق وتوزيع الخدمات بصورة أكثر كفاءة.
وأكد دنيا أن هذه التطبيقات قادرة على رفع الإنتاجية وخفض التكاليف، لكنها تجعل الأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي والقومي، لأن اختراق منصة مالية أو صحية أو حكومية قد يؤدي إلى تعطيل الخدمات أو تسريب بيانات المواطنين والمؤسسات.
وحذر من أن الذكاء الاصطناعي أصبح سلاحًا مزدوج الاستخدام، إذ يستطيع المهاجم استخدام البيانات المسربة لفهم أسلوب المراسلات داخل المؤسسات، ثم إنتاج رسائل تصيد احتيالي تبدو وكأنها صادرة من مسؤول حقيقي وتطلب تحويل أموال أو مشاركة معلومات حساسة.
كما يمكن استخدام تقنيات التزييف العميق لتقليد صوت أو صورة مسؤول، وهو ما يجعل الاعتماد على صوت المتصل أو شكل الرسالة وحده غير كافٍ لإثبات الهوية.
وأوضح هاني دنيا أن الذكاء الاصطناعي لا يحول الشخص غير المتخصص تلقائيًا إلى مخترق محترف، لكنه يخفض حاجز الدخول، ويساعد المهاجمين على جمع المعلومات، وصناعة محتوى أكثر إقناعًا، وتنفيذ الهجمات بسرعة وعلى نطاق أوسع.
وفي المقابل، أصبح حجم التنبيهات والهجمات أكبر من قدرة فرق الأمن السيبراني على التعامل معه يدويًا، ولذلك تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة رئيسية في يد المدافعين.
فالأنظمة الحديثة لا تبحث فقط عن فيروس معروف، بل تحلل السلوك والسياق. فإذا ظهر تسجيل دخول إلى حساب من القاهرة، ثم محاولة أخرى بعد دقائق من موقع بعيد، تستطيع المنظومة اكتشاف النشاط غير الطبيعي، وطلب تحقق إضافي أو إيقاف الجلسة المشبوهة.
كما يمكنها حذف رسالة خبيثة وصلت إلى مئات الموظفين، أو عزل جهاز مصاب، أو ترتيب التنبيهات وفق درجة الخطورة، بما يسمح للخبراء بالتركيز على التهديدات المعقدة بدلًا من استهلاك وقتهم في آلاف التنبيهات المتكررة.
وأشار هاني دنيا إلى أن مشروعات دفاعية متقدمة، مثل مشروع مايكروسوفت المعروف باسم «MDASH»، تعكس هذا الاتجاه، من خلال استخدام نماذج ووكلاء متخصصين للمساعدة في فحص البرمجيات، والتحقق من الثغرات، وتقليل النتائج غير الدقيقة، وتسريع عمل فرق الدفاع.
وتناول أيضًا وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين لا يكتفون بتقديم الإجابات، بل يمكنهم الوصول إلى البيانات وإرسال الرسائل وتنفيذ إجراءات فعلية داخل أنظمة المؤسسة.
وأوضح هاني أن الخطر لا يتمثل في أن الوكيل يقرر مهاجمة المؤسسة من تلقاء نفسه، بل في احتمال اختراق هويته، أو التلاعب بتعليماته، أو منحه صلاحيات أوسع من المطلوب، أو دفعه إلى تنفيذ إجراء غير مقصود.
وأشار إلى أن «Microsoft Agent 365» يقدم نموذجًا لحوكمة هؤلاء الوكلاء، من خلال إدارة هوياتهم وصلاحياتهم، ومراقبة أنشطتهم، وتطبيق سياسات الحماية والامتثال عليهم بصورة مركزية.
وشدد على ضرورة معرفة كل وكيل يعمل داخل المؤسسة، والغرض من استخدامه، والبيانات والأنظمة التي يستطيع الوصول إليها، مع تطبيق مبدأ أقل الصلاحيات، ومراقبة السلوك، والقدرة على تقييد الوكيل أو إيقافه عند ظهور نشاط مشبوه.
وأكد دنيا أن الاستفادة الآمنة من الذكاء الاصطناعي تبدأ بتصنيف البيانات، وتطبيق سياسات منع تسرب المعلومات «DLP»، ووضع الضوابط الأمنية اللازمة لحماية أكثر أصول المؤسسة حساسية، بما يسمح بالاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي دون تعريض البيانات السرية أو الملكية الفكرية للمخاطر.
وفيما يتعلق بسوق العمل، أوضح أن بعض المهام الروتينية ستتراجع، بينما ستتغير وظائف أخرى وتظهر أدوار جديدة في مجالات أمن الذكاء الاصطناعي، وحوكمة الوكلاء، وهندسة البيانات، وإدارة المخاطر والتحقق من المخرجات.
وأكد هاني دنيا أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور خبراء الأمن السيبراني حاليًا، لكنه سيزيد إنتاجيتهم وقدرتهم على التعامل مع نطاق أكبر من الهجمات، مشددًا على أن التعلم المستمر والتكيف مع التكنولوجيا سيصبحان من أهم مهارات المستقبل.
ودعا هاني دنيا إلى تطوير التعليم والتدريب بحيث لا يقتصر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يشمل فهم البيانات والأمن والخصوصية والتفكير النقدي وأخلاقيات الاستخدام.
وعلى مستوى الأفراد، نصح بعدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق أو البيانات المصرفية والصحية شديدة الحساسية مع أدوات الذكاء الاصطناعي العامة، والتحقق من طلبات تحويل الأموال عبر وسيلة اتصال مستقلة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل.
واختتم دنيا بالتأكيد على أن الدول التي تنجح في الجمع بين التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ستكون أكثر قدرة على جذب الاستثمار، ورفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات، وحماية استمرارية الاقتصاد أما التحول الرقمي غير المحمي، فقد يتحول من فرصة للنمو إلى نقطة ضعف مكلفة


