السؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا واسعًا لفهم طريقة تفكير الدول عند حافة الحرب: لماذا لا تهاجم إيران الحاملات الأمريكية مباشرة؟ لماذا ترفع سقف التهديد، وتلوّح بالمضائق، وتحرك الحلفاء، وتستهدف القواعد والمصالح، لكنها لا تذهب إلى الضربة الأكبر: حاملة طائرات أمريكية؟.
الإجابة لا تبدأ من قدرة إيران على الضرب، بل من حساب ما بعد الضربة. فالحاملة الأمريكية ليست مجرد سفينة حربية ضخمة وسط البحر. هي قطعة من هيبة الولايات المتحدة، وقاعدة عسكرية عائمة، ورمز متحرك لفكرة القوة الأمريكية نفسها. ضربها لا يُقرأ في واشنطن كاشتباك عسكري عابر، بل كإهانة مباشرة للسيادة الأمريكية، وصدمة قومية تضع أي إدارة في البيت الأبيض تحت ضغط داخلي هائل للرد بصورة لا تشبه الردود التقليدية.
ولكي نفهم هذا المنطق، يكفي أن نعود إلى واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في التاريخ الأمريكي الحديث: بيرل هاربر.
في 7 ديسمبر 1941، شنت اليابان هجومًا مفاجئًا على القاعدة البحرية الأمريكية في هاواي. لم يكن الهجوم مجرد عملية عسكرية ناجحة ضد سفن وبوارج، بل كان ضربة نفسية هائلة للولايات المتحدة. سقط أكثر من 2400 أمريكي، وتضررت القوة البحرية الأمريكية في المحيط الهادئ، لكن الأثر الأعمق كان سياسيًا ونفسيًا. في اليوم التالي مباشرة، أعلنت واشنطن الحرب على اليابان، ودخلت الحرب العالمية الثانية بكل قوتها.
لم تضرب الولايات المتحدة هيروشيما وناجازاكي بعد أيام من بيرل هاربر، ولم يكن القرار النووي ردًا فوريًا على تلك الضربة وحدها. القصف الأول وقع بعد 1338 يومًا من هجوم بيرل هاربر، والثاني بعد 1341 يومًا، أي بعد نحو ثلاث سنوات وثمانية أشهر من حرب طاحنة في المحيط الهادئ. لكن بيرل هاربر كان اللحظة التي غيّرت المزاج الأمريكي، وكسرت التردد، وفتحت الباب أمام حرب طويلة انتهت بأشد قرار عسكري في القرن العشرين.
هذا هو الدرس الذي تفهمه إيران جيدًا
ضرب حاملة أمريكية لن يكون مثل استهداف قاعدة في العراق، أو قصف منشأة في الخليج، أو ضرب سفينة تجارية، أو إطلاق صواريخ على موقع عسكري محدود. الحاملة لها معنى مختلف تمامًا. هي ليست هدفًا عسكريًا فقط، بل عنوان للكرامة العسكرية الأمريكية. وعلى متنها آلاف الجنود، وطائرات، ومنظومات قيادة وسيطرة، وحضور رمزي ضخم. أي إصابة كبيرة لها، فضلًا عن إغراقها، ستتحول داخل أمريكا إلى لحظة غضب وطني، لا إلى خبر عسكري قابل للاحتواء.
إيران تدرك أن واشنطن قد تتحمل خسائر محدودة هنا أو هناك، وقد تدخل في تفاوض تحت النار، وقد تقبل لعبة الضربات المحسوبة إذا بقيت داخل حدود معينة. لكنها تعرف أيضًا أن هناك أهدافًا إذا سقطت، فإن قواعد اللعبة كلها تتغير. الحاملة الأمريكية تأتي في مقدمة هذه الأهداف.
لهذا تتحرك طهران غالبًا في مساحة محسوبة: تضغط، تهدد، ترفع التكلفة، توسع الجبهات، لكنها تحاول ألا تمنح الولايات المتحدة لحظة تعبئة شاملة. تضرب من الأطراف لا من القلب. تلوّح بمضيق هرمز، وتفتح باب المندب، وتدفع حلفاءها في العراق واليمن ولبنان إلى الاستعداد، وتستخدم الصواريخ والمسيّرات كأدوات ضغط، لكنها تترك الحاملة الأمريكية في موقعها كخط أحمر غير معلن.
هذا لا يعني أن الحاملات خارج مدى الخطر تمامًا. إيران طورت طوال السنوات الماضية قدرات صاروخية وبحرية ومسيّرات وزوارق سريعة وحرب غير متماثلة، وكلها مصممة أصلًا لإرباك التفوق البحري الأمريكي في منطقة ضيقة ومزدحمة مثل الخليج. لكنها تفرق بين امتلاك وسيلة التهديد واتخاذ قرار استخدامها ضد الهدف الأكثر حساسية في الوعي الأمريكي.
في المواجهات الكبرى، ليست كل ضربة رابحة تصلح سياسيًا. أحيانًا تكون الضربة الأقوى هي الأكثر خطرًا على من يطلقها. قد تنجح إيران في إصابة حاملة، لكنها لن تملك التحكم في شكل الرد الأمريكي بعدها. هنا يصبح السؤال: هل تريد طهران فعلًا أن تتحول الحرب من مواجهة إقليمية قابلة للإدارة إلى حرب أمريكية مفتوحة تحت عنوان الثأر للبحرية الأمريكية؟
الأحداث الحالية تكشف أن إيران تفضّل طريقًا آخر: توسيع الضغط لا تفجير المركز. عندما تهدد بتحريك الحوثيين في باب المندب، أو الجماعات الموالية لها في العراق، أو تلوّح بجبهات تمتد إلى الخليج والبحر الأحمر، فهي لا تبحث فقط عن رد عسكري، بل عن خنق تدريجي للمصالح الأمريكية وحلفائها. تريد أن تجعل الوجود الأمريكي مكلفًا، وأن تجعل أي ضربة على إيران تفتح أكثر من باب في المنطقة، من دون أن تمنح واشنطن صورة واحدة كبرى تجمع الرأي العام الأمريكي خلف حرب شاملة.
الحاملة الأمريكية، في هذا السياق، تشبه الفخ بقدر ما تشبه الهدف. ضربها قد يمنح إيران لحظة انتصار إعلامي ضخمة، لكنه يمنح الولايات المتحدة في المقابل غطاءً سياسيًا وعسكريًا أكبر بكثير. وقد يكون هذا الغطاء هو ما تحتاجه أي إدارة أمريكية لتبرير ضربات واسعة على الداخل الإيراني، لا على مواقع خارجية أو وكلاء أو بنى عسكرية محدودة.
ومن هنا تأتي حساسية المقارنة مع بيرل هاربر. اليابان في 1941 أرادت شل القوة البحرية الأمريكية في المحيط الهادئ، لكنها منحت واشنطن ما كان ينقصها داخليًا: إجماعًا شعبيًا وسياسيًا على الحرب. وإيران، وهي تقرأ التاريخ من زاوية البقاء، تعرف أن إغراق حاملة أمريكية قد يحقق صدمة عسكرية، لكنه قد يصنع أيضًا إجماعًا أمريكيًا نادرًا على الرد.
أما الحديث عن السلاح النووي، فلا يحتاج إلى جملة قطعية بقدر ما يحتاج إلى فهم طبيعة الرعب الذي تحسبه الدول. إيران لا تفكر فقط في الرد المعلن، بل في أسوأ الاحتمالات. قد لا يكون استخدام النووي قرارًا حتميًا، لكن مجرد فتح باب الخيارات القصوى أمام الولايات المتحدة كافٍ لأن تجعل طهران تتجنب تلك الضربة. الدول التي تعيش تحت تهديد الحرب لا تحسب النوايا الحسنة، بل تحسب الكارثة المحتملة.
لذلك لا تهاجم إيران الحاملات الأمريكية مباشرة لأنها تعرف قيمة الحاملة أكثر مما يظن كثيرون. تعرف أنها ليست كتلة حديد في البحر، بل مفتاح سياسي قد يفتح حربًا أكبر من قدرة المنطقة على الاحتمال. وتعرف أن الحرب مع أمريكا لا تُدار بالضربة الأولى، بل بما يحدث بعدها: الغضب، التعبئة، القرار، الرد، ثم اتساع النار.
إيران تريد أن تؤلم واشنطن، لا أن تمنحها ذريعة كاملة. تريد أن تقول إن مصالح أمريكا في المنطقة مكشوفة، لا أن تقدم لها بيرل هاربر جديدة. وبين إيلام الخصم واستفزازه إلى أقصى درجات الرد، تقف الحاملة الأمريكية كأكثر الأهداف إغراءً، وأكثرها خطورة في الوقت نفسه.


