NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د. ياسمين جمال تكتب: السوشيال ميديا.. حين تتحول المنصات الرقمية من وسيلة تواصل إلى تحدٍ يواجه المجتمع

محتوي الخبر

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات لتبادل الصور أو متابعة الأخبار، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من تفاصيل حياتنا اليومية. فمنذ اللحظة التي نستيقظ فيها وحتى نهاية اليوم، نجد أنفسنا نتصفح عشرات المنشورات ومقاطع الفيديو والتعليقات، حتى بات العالم الرقمي حاضرًا في كل بيت، ولكل فرد من أفراد الأسرة، بغض النظر عن عمره.

ورغم ما قدمته هذه المنصات من فرص كبيرة للتواصل، ونقل المعرفة، ودعم الأعمال، وإتاحة مساحات للتعبير عن الرأي، فإن استخدامها غير الواعي كشف عن تحديات حقيقية لم تعد تقتصر على الأفراد فقط، بل امتدت لتؤثر في المجتمع بأكمله.

ومن أخطر هذه التأثيرات انتشار المعلومات المضللة والشائعات بسرعة غير مسبوقة، حيث أصبح أي شخص قادرًا على نشر معلومة أو مقطع فيديو خلال ثوانٍ، لتصل إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص قبل التأكد من صحتها. ومع غياب ثقافة التحقق من المعلومات، تتحول الشائعة إلى حقيقة في نظر البعض، وهو ما قد يثير القلق، أو يخلق حالة من البلبلة، أو يؤثر في استقرار المجتمع.

ولا تتوقف الخطورة عند هذا الحد، بل تمتد إلى التأثير في منظومة القيم والسلوكيات، خاصة لدى الأطفال والمراهقين، الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، ويتأثرون بما يشاهدونه من أنماط حياة وسلوكيات قد لا تتوافق مع قيم المجتمع. فبعض المحتويات تقدم الشهرة السريعة بوصفها نجاحًا، وتربط قيمة الإنسان بعدد المتابعين والإعجابات، بينما تُهمَّش قيم الاجتهاد والعلم والعمل الحقيقي.

كما أصبحت المقارنات اليومية التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي سببًا في زيادة الضغوط النفسية لدى كثير من المستخدمين. فمشاهدة صور الحياة المثالية أو الإنجازات المتتالية للآخرين قد تدفع البعض إلى الشعور بعدم الرضا عن حياتهم، أو الإحساس بالنقص، رغم أن ما يُعرض على هذه المنصات لا يعكس دائمًا الواقع الكامل.

ومن ناحية أخرى، أثرت السوشيال ميديا في طبيعة العلاقات الاجتماعية. فعلى الرغم من أنها قرّبت المسافات بين الأشخاص، فإنها في بعض الأحيان أبعدت من يعيشون تحت سقف واحد. فأصبح من المعتاد أن تجلس الأسرة في مكان واحد، بينما ينشغل كل فرد بهاتفه، لتقل الحوارات المباشرة، وتضعف العلاقات الإنسانية التي تُبنى على التفاعل الحقيقي، لا على الرسائل السريعة.

كما لا يمكن إغفال ما وفرته هذه المنصات من بيئة خصبة لبعض الممارسات السلبية، مثل التنمر الإلكتروني، وخطاب الكراهية، وانتهاك الخصوصية، والابتزاز الرقمي، وهي جرائم لا تقتصر آثارها على الفضاء الإلكتروني، بل تمتد إلى الصحة النفسية والأمن الاجتماعي، وقد تترك آثارًا عميقة على الضحايا، خاصة من صغار السن.
وفي المقابل، فإن الحل لا يكمن في الابتعاد الكامل عن مواقع التواصل الاجتماعي، لأنها أصبحت جزءًا من واقعنا، بل في تعزيز الوعي الرقمي لدى جميع أفراد المجتمع. فنحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف نستخدم هذه المنصات بطريقة آمنة ومسؤولة، وكيف نتحقق من المعلومات قبل نشرها، ونحترم خصوصية الآخرين، وندرك أن العالم الافتراضي لا ينبغي أن يكون بديلًا عن حياتنا الواقعية.

وهنا تتكامل أدوار الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات المختلفة في بناء ثقافة رقمية واعية. فالأسرة مسؤولة عن الحوار مع الأبناء ومتابعة استخدامهم للمنصات الرقمية، والمدرسة مطالبة بتنمية مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية، بينما يتحمل الإعلام مسؤولية نشر الوعي بمخاطر الاستخدام غير الرشيد، وتقديم محتوى يعزز القيم الإيجابية، بدلًا من ملاحقة الإثارة والترند.

لذا، لا تكمن خطورة السوشيال ميديا في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها. فهي أداة يمكن أن تكون وسيلة للتعلم، والإبداع، والتواصل، كما يمكن أن تتحول إلى مصدر للشائعات، والتعصب، والعزلة، وفقدان الوعي إذا غاب الاستخدام المسؤول.

إن بناء مجتمع أكثر وعيًا في العصر الرقمي لا يبدأ بتقليل ساعات استخدام الهواتف فحسب، بل يبدأ ببناء إنسان يمتلك الوعي، ويفكر قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويستخدم التكنولوجيا لتطوير نفسه وخدمة مجتمعه، لا ليصبح أسيرًا لها.

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com