لم تعد تربية الطفل في عصر التكنولوجيا مسؤولية الأسرة وحدها كما كانت من قبل، فهناك طرف جديد دخل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبناء دون أن يطلب أحد منه ذلك: الموبايل. ذلك الجهاز الصغير الذي يحمله الطفل بين يديه، ويستطيع من خلاله الوصول إلى عالم كامل من الصور والفيديوهات والألعاب والمعلومات والمؤثرين، أصبح في كثير من البيوت حاضرًا لساعات طويلة، وأحيانًا أكثر حضورًا من الأب والأم نفسيهما.
ولا تكمن المشكلة في وجود الهاتف في حياة الطفل، فالهواتف والتكنولوجيا أصبحت جزءًا طبيعيًا من عالمنا، ويمكن أن تكون أدوات مهمة للتعلم والتواصل والترفيه. لكن السؤال الحقيقي هو: عندما يقضي الطفل وقتًا طويلًا أمام الشاشة، فمن الذي يوجه هذا الوقت؟ ومن الذي يحدد الرسائل التي يتلقاها؟
فالطفل يتعلم من التكرار، ومن النماذج التي يراها أمامه، ومن القصص التي يسمعها، ومن الأشخاص الذين يتابعهم. وإذا كانت الأسرة تقدم له قيمًا ومبادئ معينة، بينما تقدم له الشاشة يوميًا رسائل مختلفة، فإن الطفل قد يجد نفسه أمام منظومتين متوازيتين من التربية، إحداهما تأتي من البيت، والأخرى تأتي من العالم الرقمي.
وقد يبدأ الأمر في سنوات الطفولة الأولى بطريقة بسيطة؛ فيديو قصير لإلهاء الطفل أثناء تناول الطعام، أو الهاتف لتقليل بكائه، أو مقاطع كرتونية حتى ينشغل بينما ينهي الوالدان أعمالهما. ومع مرور الوقت، قد يتحول الهاتف من وسيلة مؤقتة إلى رفيق دائم، يلجأ إليه الطفل عند الملل أو الغضب أو الوحدة أو حتى عند الشعور بالحزن.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند نقطة مهمة: هل نستخدم الهاتف لمساعدة الطفل، أم أصبح الهاتف هو الذي يساعدنا في تربية الطفل؟ فالفرق بين الأمرين كبير.
عندما تستخدم الأسرة التكنولوجيا كأداة تعليمية أو ترفيهية ضمن حدود واضحة، فإنها تظل وسيلة تحت سيطرة الوالدين. أما عندما يصبح الهاتف هو الحل الدائم لبكاء الطفل، أو غضبه، أو ملله، أو رفضه تناول الطعام، فقد يبدأ في أداء وظيفة تربوية كان من المفترض أن تقوم بها الأسرة من خلال الحوار والاحتواء وتعليم الطفل كيفية التعامل مع مشاعره.
ومن ناحية أخرى، لا تقتصر تأثيرات الهاتف على الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة، وإنما تمتد إلى طبيعة المحتوى الذي يشاهده. فالخوارزميات تستطيع اقتراح مقاطع جديدة باستمرار بناءً على اهتمامات المستخدم وتفاعلاته، وهو ما يعني أن الطفل قد ينتقل من محتوى إلى آخر دون أن يكون مدركًا دائمًا لكيفية وصول هذه المواد إليه.
وهنا تظهر أهمية الوعي الإعلامي منذ الصغر. فالطفل يحتاج إلى أن يتعلم أن ما يراه على الشاشة ليس بالضرورة حقيقة، وأن الأشخاص الذين يظهرون في مقاطع الفيديو لا يمثلون دائمًا النموذج المثالي للحياة، وأن الشهرة وعدد المتابعين والإعجابات ليست معايير حقيقية لقيمة الإنسان أو نجاحه.
كما أن المراهقين يواجهون تحديًا أكبر، لأن الهاتف بالنسبة إليهم لا يمثل وسيلة ترفيه فقط، بل أصبح جزءًا من علاقاتهم الاجتماعية وهويتهم وطريقة تواصلهم مع الآخرين. وقد يصبح القبول الرقمي، من خلال الإعجابات والتعليقات وعدد المتابعين، مصدرًا للتقدير أو الإحباط.
وهنا لا يمكن أن نطلب من الأسرة أن تواجه هذه التأثيرات بالمنع فقط. فالمنع الكامل قد لا يكون حلًا واقعيًا في عالم أصبح فيه التعليم والعمل والتواصل مرتبطًا بالتكنولوجيا. والأهم هو أن يتعلم الأبناء كيف يستخدمون التكنولوجيا دون أن تسمح لهم التكنولوجيا باستخدامهم.
ولذلك، فإن دور الوالدين اليوم لم يعد مجرد تحديد عدد ساعات استخدام الهاتف، بل أصبح يتضمن الحديث مع الأبناء عما يشاهدونه، ومعرفة الأشخاص الذين يتابعونهم، ومناقشة الأفكار التي تصل إليهم، وتعليمهم التفكير النقدي قبل تصديق أو مشاركة أي محتوى.
كما أن القدوة الأسرية تلعب دورًا لا يقل أهمية. فمن الصعب أن نطلب من الطفل أن يترك الهاتف أثناء تناول الطعام بينما يرى والديه منشغلين به طوال الوقت، أو أن نطالبه بتقليل وقت الشاشة بينما الهاتف حاضر في كل لحظة داخل المنزل.
فالطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له، وإنما مما يراه منا.
ومن هنا، فإن القضية ليست: الأسرة أم الموبايل؟، لأن الموبايل لا يمكنه أن يحل محل الأسرة، مهما تطورت التكنولوجيا. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تترك الأسرة مساحة فارغة، فتملؤها الشاشة تلقائيًا.
فإذا لم نتحدث مع أبنائنا، سيتحدث إليهم المحتوى.
وإذا لم نساعدهم على اكتشاف العالم، ستكتشفه الخوارزميات نيابة عنا.
وإذا لم نقدم لهم القدوة، فقد يبحثون عنها في شخصيات تظهر أمامهم يوميًا على الشاشة.
لذا، لا يحتاج أطفالنا إلى أسرة تحارب التكنولوجيا، وإنما إلى أسرة تفهمها وتعرف كيف توجه استخدامها. فالموبايل يمكن أن يكون أداة للتعلم والإبداع، لكنه لا يستطيع أن يمنح الطفل ما تمنحه العلاقة الإنسانية من أمان واحتواء وحوار وشعور بالانتماء.


