قال أحمد حجاج، الخبير الاقتصادي وعضو جمعية المحاسبين والمراجعين المصرية والمحاضر الدولي في المحاسبة والضرائب، أن الحكومة المصرية، ممثلة في وزارة المالية، تستعد لإطلاق أداة تمويلية مبتكرة تُستحدث لأول مرة في تاريخ البلاد تحت اسم “الصكوك الضريبية”، وذلك عقب الموافقة الرئاسية على تفعيل المادة (115) من قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005.
وأشار حجاج، إلي أن هذه الخطوة تأتي كجزء من الهندسة المالية الحديثة لاستكمال حزم التسهيلات الضريبية وتطوير العلاقة مع مجتمع الأعمال، بهدف توفير سيولة فورية للخزانة العامة وتخفيض تكلفة الدين، مقابل تقديم حوافز ومزايا حقيقية للممولين الملتزمين.
فما هو مفهوم الصكوك بوجه عام؟ وما هي الصكوك الضريبية، وكيف تعمل؟ ولماذا تعيد إلى الأذهان قانوناً مصرياً شهيراً صدر قبل نحو قرن ونصف؟
ما الفرق بين الصكوك العامة والصكوك الضريبية؟
لكي نفهم الأداة الجديدة، يجب أولاً التمييز بين مفهومين رئيسيين:
أولاً: الصكوك بمفهوم سوق رأس المال (القانون 17 لسنة 2018):
هي أوراق مالية أسمية متساوية القيمة تصدر لمدة لا تزيد على 30 عاماً، وتمثل حصة شائعة في ملكية أصول أو منافع أو مشاريع أو تدفقات نقدية، وينظمها قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 وتعديلاته باللائحة التنفيذية رقم 2479 لسنة 2018، وتخضع لمعايير محاسبة ومراجعة خاصة بين شركة التصكيك والجهة المستفيدة.
ثانيًا: الصكوك الضريبية (المادة 115 من قانون الضريبة 91 لسنة 2005):
وأكد أحمد حجاج، علي أن أداة تمويل وتأمين مالية قصيرة الأجل (مدتها عام واحد غالباً)، يكتتب فيها الممولون من الأفراد والشركات، ولا تمثل حصة في أصول، بل هي وثيقة تحمل عائداً معفى من الضرائب، وتتمتع بـ “قوة الإبراء” عند تسوية وسداد الضرائب المستحقة بنهاية الفترة المالية.
وكيف تعمل الصكوك الضريبية؟ (مثال رقمي)
وأوضح عضو جمعية المحاسبين والمراجعين المصرية، أن الفكرة ببساطة تقوم على مبدأ “تحصيل ضرائب المستقبل اليوم مقابل فائدة ومزية للممول”، حيث:
-يدفع الممول قيمة الصك مقدماً قبل موعد استحقاق الضريبة الرسمية.
-ويحصل الممول خلال فترة الاحتفاظ بالصك على عائد مالي مناسب يُحدده وزير المالية، ويكون معفياً تماماً من الضريبة.
-عند حلول موعد سداد الضريبة بنهاية العام المالي، يسترد الممول قيمة الصك مضافاً إليها العائد، وتُخصم بالكامل من التزاماته الضريبية.
مثال توضيحي بسيط:
وأضاف أحمد حجاج، إذا اكتتبت إحدى الشركات في صك ضريبي بقيمة 1 مليون جنيه، وحقق هذا الصك عائداً قدره 200 ألف جنيه، فإن الشركة تستخدم إجمالي القيمة 1 مليون و200 ألف جنيه لسداد وإبراء ذمتها من ضريبة أرباحها المستحقة لدى مصلحة الضرائب.
عودة للتاريخ.. “قانون المقابلة” عام 1871
وأكد عضو جمعية المحاسبين والمراجعين المصرية، على أنه رغم أن الصكوك الضريبية تبدو فكرة حديثة، إلا أنها تعيد إلى الأذهان آلية شهدتها مصر قبل نحو 155 عاماً في عهد الخديوي إسماعيل تُعرف بـ “قانون المقابلة” (أغسطس 1871).
وتابع أحمد حجاج، أمام أزمة الديون المتراكمة آنذاك، استحدثت الدولة نظاماً يُشبه القرض الوطني، حيث أُلزم أصحاب الأراضي بدفع الضريبة المستحقة لـ 6 سنوات مقدماً. وفي المقابل، تعهدت الحكومة بإعفائهم الدائم من نصف الضريبة السنوية مدى الحياة، وتمليكهم الأراضي تمليكاً تاماً مع إمكانية توارثها ووقفها.
وعلى الرغم من إلغاء قانون المقابلة لاحقاً في ثمانينيات القرن التاسع عشر، إلا أن النظامين يتفقان في الجوهر الاقتصادي وهو: حصول الدولة على تمويل وتدفقات نقدية مقدمة، في مقابل منح الممول منفعة واستفادة ضريبية مستقبليّة.
التفاصيل التنفيذية ومزايا الطرح المرتقب
وقد أوضحت مصلحة الضرائب المصرية ووزارة المالية التفاصيل الأولية لعملية الطرح المرتقبة خلال أسابيع:
1ـفئات الصكوك: تتراوح شرائح الصكوك من 10 آلاف جنيه وتصل إلى 10 ملايين جنيه لتناسب مختلف الأحجام من الشركات والممولين.
2- إستراتيجية الشراكة: تسعى وزارة المالية لطرح ضوابط الآلية للحوار المجتمعي والتشاور مع الممولين قبل التطبيق النهائي لضمان سهولة الإجراءات.
3ـ تعزيز الالتزام الطوعي: تمنح الممول الملتزم فرصة تشغيل سيولته النقدية الفائضة وتحقيق ربح معفى بدلاً من تجميد الأموال، مما يحول الضريبة من مجرد عبء وجباية إلى أداة استثمارية.
ويجب التنويه إلى أن الصكوك الضريبية:
1ـ أداة تمويلية واستثمارية اختيارية للممولين وليست ضريبة جديدة.
2ـ طرحها يختص بالممولين والشركات الراغبين في الاستفادة من سيولتهم، وليس عامة الشعب.
3ـ الهدف الأساسي منها هو خفض تكلفة التمويل والابتعاد عن الاقتراض التقليدي مرتفع التكلفة.
قراءة اقتصادية.. فرص وتحديات
وأضاف أحمد حجاج عضو جمعية المحاسبين والمراجعين المصرية، يرى بعض الخبراء والمحللون الماليون الترحيب بالحافز الجديد مع الحذر من التبعات:
فعلى الرغم من أنها تُمثل خطوة في “الهندسة المالية” تتيح للدولة إدارة التدفقات النقدية الفورية لسد الفجوات التمويلية دون زيادة في أصل الدين المكلف، كما أنها تضمن زيادة كفاءة التحصيل الضريبي، إلا أنه حذر بعض الخبراء عند تطبيقها في الموازنات القادمة، حيث أنها تسحيب لإيرادات المستقبل إلى الحاضر.
ولذلك يرى بعض المحللون أن النجاح الحقيقي يكمن في توجيه هذه السيولة العاجلة نحو مشاريع استثمارية وإنتاجية تولد عائداً، وليس لتمويل مصاريف جارية.
كما أنه لحماية إيرادات الدولة، أُقر ربط الصك بالتزامات الممول عن العام نفسه، وبحد أقصى يتراوح بين 10% و15% من إجمالي استحقاقه الضريبي المتوقع.
ولقد أشار النائب أشرف عبد الغني إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة قد تعجز عن الاكتتاب لشدة حاجتها للسيولة اليومية، مما قد يجعل الاستفادة محصورة في الشركات الكبرى ذات الملاءة المالية العالية.


