تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في توقيت استثنائي، تتجاوز أهميته البعد السياسي والدبلوماسي التقليدي إلى أبعاد اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية أكثر عمقا وتأثيرا فالعالم اليوم يشهد إعادة تشكيل واسعة لخريطة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، في ظل تصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين وفرض قيود وضغوط متزايدة على الاستثمارات والمنتجات الصينية في الأسواق الغربية. وفي المقابل تبحث الصين عن أسواق جديدة ومراكز صناعية واستثمارية تستطيع من خلالها الحفاظ على توسعها الاقتصادي والوصول إلى مناطق جديدة و في نفس تبحث مصر عن شراكات قادرة على دعم الصناعة وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا وتوفير العملة الأجنبية. ومن هنا تكتسب الزيارة المرتقبة أهميتها الحقيقية.
خاصه وأن العلاقات المصرية الصينية ليست علاقات وليدة فمصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وتطورت هذه العلاقة خلال العقود الماضية بصورة متسارعة، خاصة خلال السنوات الأخيرة، لتتحول إلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2016 لكن الأهم الآن هو أن هذه العلاقات أصبحت تمتلك قاعدة اقتصادية حقيقية يمكن البناء عليها حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025 مقارنة بنحو 17.37 مليار دولار في عام 2024 بمعدل نمو يقارب 19.6% وهذه الأرقام تؤكد المكانة المتزايدة للصين داخل الاقتصاد المصري و لاشك أن جاء الوقت لننتقل بالعلاقة المصرية الصينية من علاقة تجارية إلى شراكة صناعية ومن تنفيذ المشروعات إلى توطين التكنولوجيا ومن استيراد المنتجات إلى إنتاجها وتصديرها وننتقل إلى مرحلة أعمق تقوم على الإنتاج المشترك والتصنيع والتصدير.
فالمرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الانتقال من مفهوم التجارة مع الصين إلى مفهوم الإنتاج مع الصين
فمصر لا تحتاج فقط إلى زيادة حجم رؤوس الأموال الوافدة وإنما تحتاج بصورة أكبر إلى استثمارات منتجة تخلق مصانع جديدة وتوفر فرص عمل وتنقل التكنولوجيا وتزيد الصادرات وتخفض فاتورة الواردات.
وهنا تحديدا تظهر الصين باعتبارها أحد أكثر الشركاء قدرة على تقديم هذا النموذج في المرحلة الحالية
فالصين تمتلك فوائض رأسمالية وصناعية ضخمة تبحث عن فرص جديدة خارج حدودها كما تواجه شركاتها ضغوط متزايدة في بعض الأسواق الأمريكية والأوروبية وهو ما يدفعها إلى البحث عن وجهات استثمارية بديلة ومراكز إنتاج جديدة وفي المقابل تمتلك مصر مجموعة من المزايا التي تجعلها وجهة جذابة لهذه الاستثمارات؛ سوق محلية ضخمة اكثر من 120 مليون نسمه وموقع جغرافي استثنائي وقناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات التجارية في العالم و بنيه تحتيه و موانئ جاهزه ومنطقة اقتصادية واعدة واتفاقيات تجارية تسمح بالنفاذ إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
وهذا يعني أن مصر لا يجب أن تقدم نفسها للصين باعتبارها مجرد سوق كبير للمنتج الصيني وإنما باعتبارها منصة صناعية ولوجستية تستطيع الشركات الصينية من خلالها الوصول إلى مئات الملايين من المستهلكين في أفريقيا والعالم العربي فضلا عن الأسواق الأوروبية فالمعادلة الأكثر نجاحا هي أن تصبح مصر مركزًا لإنتاج المنتجات الصينية خارج الصين وليس مجرد سوق لاستهلاكها.
والتجربة القائمة بالفعل تؤكد أن التعاون المصري الصيني تجاوز مرحلة التصريحات والاتفاقيات. فمنطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا – مصر» داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التعاون حيث تضم أكثر من 200 شركة باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار كما تجاوزت مبيعاتها التراكمية 7.3 مليار دولار وأسهمت في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وهذه التجربة يجب أن تتحول من نموذج ناجح محدود إلى قاعدة يمكن البناء عليها لإنشاء تجمعات صناعية صينية أكبر وأكثر تنوع كما أن الشركات الصينية أصبحت لاعبا مهما في تنفيذ مشروعات البنية التحتية المصرية بداية من منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة وعلى رأسها البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 385.8 مترًا ويعد أطول مبنى في أفريقيا مرورا بمشروعات النقل مثل القطار الكهربائي الخفيف LRT وصولا إلى التعاون في مجالات الفضاء والأقمار الصناعية وتطوير قدرات التجميع والدمج والاختبار.
لكن المرحلة المقبلة يجب أن تختلف عن المرحلة السابقة، فبعد أن استفادت مصر من الخبرات الصينية في بناء البنية التحتية أصبح من الضروري أن يكون الهدف الأساسي هو توطين الصناعة والتكنولوجيا وهنا يمكن أن تركز المباحثات المرتقبة على التوسع في قطاعات السيارات خاصة الكهربائية وصناعة البطاريات والإلكترونيات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والمتجددة، والصناعات الكيماوية والمنسوجات والملابس الجاهزة.
كما أن المنافسة المتوقعة بين الشركات الصينية والأمريكية في مشروعات التكنولوجيا المتقدمة ومنها مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية تمثل فرصة مهمة لمصر. فالمصلحة المصرية لا يجب أن تكون في الانحياز إلى طرف ضد آخر وإنما في خلق منافسة حقيقية بين القوى الدولية للحصول على أفضل الشروط الممكنة حيث أي شركة ترغب في دخول السوق المصري توضح حجم الاستثمار و كم مصنع سيتم إنشاؤه
و نسبة المكون المحلي و حجم العماله المصريه وايضاً مراكز البحث والتطوير وحجم الإنتاج الذي سيتم تصديره.
ومن هنا يمكن القول إن رأس المال الصيني يمتلك في المرحلة الحالية بعض المزايا المهمة بالنسبة للسوق المصري. فالشركات الصينية لديها قدرة كبيرة على الجمع بين التمويل والتكنولوجيا والتنفيذ السريع، كما أن الصين لديها خبرة واسعة في بناء منظومات صناعية متكاملة وليس مجرد إنشاء مصانع منفصلة وهذا النموذج هو ما تحتاج إليه مصر خاصة في صناعات السيارات والإلكترونيات والبطاريات والطاقة الجديدة.
كما أن الصين قد تكون أكثر استعدادا في بعض القطاعات لإنشاء مراكز إنتاج في الأسواق الناشئة في وقت تركز فيه شركات أمريكية وأوروبية كثيرة على الأسواق الكبرى أو الأكثر تقدما في مجالات التكنولوجيا والبرمجيات والذكاء الاصطناعي وهذا يمنح مصر فرصة لجذب جزء من الاستثمارات الصينية التي تبحث عن أسواق جديدة خصوصا إذا تم تقديم حوافز مرتبطة بالإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا.
لكن نجاح هذه الشراكة لا يجب أن يعني فتح السوق بلا شروط. فالتجربة الاقتصادية العالمية تؤكد أن الاستثمار الأجنبي يحقق أعلى قيمة عندما يكون مرتبطًا بزيادة القيمة المضافة المحلية. ولذلك يجب أن تكون أي اتفاقيات جديدة مع الشركات الصينية مرتبطة ببرامج واضحة لزيادة نسبة المكون المحلي ونقل التكنولوجيا وتدريب العمالة المصرية وتوطين الموردين المحليين وإنشاء مراكز للبحث والتطوير.
فالهدف لا يجب أن يكون أن تأتي الشركات الصينية إلى مصر لتبيع منتجاتها فقط، أو حتى لتجمع منتجات مستوردة، وإنما أن تتحول مصر تدريجيا إلى مركز صناعي حقيقي داخل سلاسل الإنتاج الصينية العالمية.
ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية مع انضمام مصر إلى تجمع بريكس والذي يمكن أن يفتح آفاق جديدة لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين الدول الأعضاء ودراسة زيادة استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات التجارية بما قد يساهم على المدى الطويل في تخفيف جزء من الضغوط المرتبطة بالطلب على الدولار، وإن كان ذلك يتطلب آليات مالية وتجارية واضحة وقابلة للتنفيذ.
والأهم أن التكامل بين مبادرة «الحزام والطريق» الصينية و«رؤية مصر 2030» يمكن أن يمنح العلاقات بين البلدين بعد اقتصادي أكثر استدامة فمصر تريد أن تصبح مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة بينما تبحث الصين عن ممرات وأسواق ومراكز إنتاج جديدة وبين الرؤيتين مساحة واسعة من المصالح المشتركة.
ولهذا فإن نجاح زيارة الرئيس الصيني المرتقبة لا ينبغي قياسه بعدد مذكرات التفاهم أو الاتفاقيات التي سيتم توقيعها فقط وإنما بنوعية المشروعات التي ستخرج بها فمصر تحتاج اليوم إلى استثمارات تحقق ثلاثة أهداف في وقت واحد: إنتاج محلي أكبر، وصادرات أعلى ونقل حقيقي للتكنولوجيا.
أن الفرصة المتاحة أمام القاهرة وبكين اليوم أكبر من مجرد توسيع حجم التجارة بينهما الصين تحتاج إلى مصر باعتبارها بوابة استراتيجية إلى أفريقيا والشرق الأوسط ومصر تحتاج إلى الصين باعتبارها قوة صناعية وتكنولوجية ومالية عالمية قادرة على دعم عملية التحول الاقتصادي.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للزيارة المرتقبة تكمن في قدرتها على نقل العلاقات المصرية الصينية إلى مرحلة جديدة من التبادل التجاري إلى التكامل الصناعي ومن تنفيذ المشروعات إلى توطين التكنولوجيا ومن استيراد المنتجات إلى إنتاجها وتصديرها.
وإذا استطاعت مصر أن تدير هذه الشراكة وفق رؤية اقتصادية واضحة تحمي مصالحها الوطنية، وتربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير ونقل المعرفة فإن الصين لن تكون مجرد شريك تجاري كبير، بل يمكن أن تصبح أحد أهم الشركاء في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية جديدة للاقتصاد المصري.
فالفرصة التاريخية ليست في أن تستثمر الصين في مصر فقط، وإنما في أن تصبح مصر جزءًا من السلسلة الصناعية العالمية للصين، وفي الوقت نفسه تستخدم هذه الشراكة لبناء قدراتها الوطنية المستقلة وهنا تحديدًا تكمن الأهمية الاقتصادية الحقيقية لزيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة في هذا التوقيت.


