أعادت واقعة الاعتداء المتداولة مؤخرًا على إحدى الأمهات من جانب نجليها في منطقة السيدة زينب، والتي قالت الجهات الأمنية إن خلافًا ماليًا سبقها، قضية عقوق الوالدين إلى واجهة النقاش المجتمعي من جديد. وقد أثارت الواقعة، بعد انتشار مقطع مصور لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حالة واسعة من الغضب والاستنكار، خاصة أن المشهد مسّ واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية حساسية: علاقة الأبناء بوالديهم.
وبعيدًا عن تفاصيل الواقعة ومسارها القانوني، الذي يجب أن تظل مسؤوليته لدى جهات التحقيق والقضاء، فإن المشهد يفتح بابًا أوسع لسؤال تربوي ومجتمعي: كيف يمكن أن تصل الخلافات داخل الأسرة إلى مرحلة يتحول فيها الاختلاف إلى إساءة أو عنف؟
فالعلاقة بين الأبناء والوالدين يفترض أن تكون واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية أمانًا واحتواءً، لكن الحفاظ عليها لا يعتمد فقط على مطالبة الأبناء بالطاعة، وإنما يحتاج منذ البداية إلى بناء علاقة قائمة على الحب والاحترام والحوار والثقة.
ولا شك أن الإساءة إلى الوالدين أو الاعتداء عليهما أمر مرفوض أخلاقيًا وقانونيًا، ولا يمكن تبريره بخلاف مالي أو عائلي أو غيره. لكن مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تتوقف عند إدانة السلوك بعد وقوعه، بل علينا أن نسأل أيضًا: كيف نربي أبناءنا على إدارة الخلاف دون أن يتحول إلى إهانة؟ وكيف نعلمهم أن الغضب لا يمنح الإنسان الحق في إيذاء أقرب الناس إليه؟
وهنا يصبح الحوار داخل الأسرة ضرورة وليس رفاهية.
فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن التعبير عن غضبه أو خوفه أو اختلافه مع والديه سيقابل دائمًا بالصراخ أو السخرية أو الرفض، قد يتعلم إخفاء مشاعره بدلًا من مناقشتها. ومع مرور السنوات، يمكن أن تتحول الخلافات الصغيرة إلى تراكمات أكبر، خصوصًا عندما يدخل الأبناء مرحلة المراهقة والشباب، ويبدأون في البحث عن الاستقلال واتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
لكن الحوار لا يعني أن تصبح الأسرة بلا قواعد أو حدود. فالابن يحتاج إلى معرفة أن هناك سلوكيات لا يمكن قبولها، وأن الاختلاف مع الأم أو الأب لا يعني الإساءة إليهما. وفي الوقت نفسه، يحتاج الوالدان إلى إدراك أن الحزم شيء، وإغلاق باب التواصل شيء آخر.
فالحزم يضع حدودًا، بينما القسوة قد تبني مسافة.
والاحترام لا يعني أن يخاف الأبناء من والديهم، كما أن الاستقلال لا يعني أن ينقلب الأبناء على أسرهم. المطلوب هو علاقة يستطيع فيها الابن أن يقول: “أنا مختلف معك”، دون أن يتحول الاختلاف إلى إهانة، ويستطيع فيها الوالدان أن يقولا: “نحن نرفض هذا السلوك”، دون أن يتحول الرفض إلى تحقير أو كسر لشخصية الابن.
وتكشف واقعة السيدة زينب أيضًا عن جانب آخر مهم يتعلق بدور مواقع التواصل الاجتماعي في كشف المشكلات الأسرية ووضعها أمام الرأي العام. فقد بدأت القضية بعد تداول فيديو، وهو ما يعكس قدرة المنصات الرقمية على إيصال الاستغاثات بسرعة إلى الجهات المعنية والمجتمع. لكن في الوقت نفسه، يجب أن نتذكر أن انتشار أي واقعة أسرية لا يعني أننا نعرف كل تفاصيلها، ولذلك ينبغي تجنب تحويل مواقع التواصل إلى محكمة تصدر أحكامًا نهائية على الأشخاص والعائلات.
وهنا يأتي دور الإعلام المسؤول؛ فبدلًا من الاكتفاء بإعادة نشر المشاهد الصادمة، يمكن تحويل الواقعة إلى فرصة لفتح نقاش حقيقي حول التربية، وإدارة الغضب، والحوار بين الأجيال، وكيف يمكن للأسرة أن تطلب المساعدة قبل أن تصل الخلافات إلى مراحل خطرة.
كما أن تربية الأبناء على بر الوالدين لا تبدأ في مرحلة الشباب، وإنما تبدأ من الطفولة. فالطفل الذي يتعلم معنى الامتنان، واحترام الكبير، والتعبير عن الغضب بطريقة آمنة، والاعتذار عندما يخطئ، يكون أكثر قدرة على بناء علاقات صحية عندما يكبر.
وفي المقابل، يحتاج الأبناء أيضًا إلى أن يروا في والديهم نموذجًا لاحترام الآخرين وإدارة الخلاف. فالقدوة الأسرية أقوى من آلاف النصائح؛ وما يراه الطفل داخل البيت من طريقة التعامل أثناء الغضب والخلاف قد يصبح الطريقة التي يستخدمها هو مستقبلًا في علاقاته.
كما أن مفهوم عقوق الوالدين يحتاج إلى فهم متوازن؛ فالبر لا يعني إلغاء شخصية الابن أو منعه من الاختلاف، كما أن الاختلاف مع الوالدين لا يُعد في حد ذاته عقوقًا. وقد أوضحت دار الإفتاء المصرية أن العقوق يرتبط بما يصدر من الابن من قول أو فعل يترتب عليه أذى أو إيلام ظاهر للوالدين، بينما لا يعني البر إلغاء حق الإنسان في الاختلاف أو إبداء رأيه.
ومن هنا، فإن مسؤولية حماية الأسرة من العقوق لا تقع على الأبناء وحدهم. فكما نطالب الأبناء بالاحترام، علينا أن نعلمهم الاحترام من خلال الممارسة، وكما نطالبهم بضبط غضبهم، يجب أن نساعدهم على اكتساب هذه المهارة، وكما نطلب منهم ألا يقطعوا الحوار، يجب أن يجدوا داخل الأسرة من يستمع إليهم.
لذا، فإن واقعة واحدة قد تثير غضب المجتمع، لكن الأهم ألا ينتهي تأثيرها بانتهاء تداول الفيديو. علينا أن نحول الصدمة إلى سؤال، والسؤال إلى وعي، والوعي إلى تربية تبدأ قبل أن تقع المشكلة.
فالعنف لا يبدأ دائمًا بلحظة الاعتداء، بل قد تسبقه سنوات من سوء الفهم، وتراكم الغضب، وغياب الحوار.
والأسرة القوية ليست الأسرة التي لا تختلف، وإنما الأسرة التي تعرف كيف تختلف دون أن تفقد الحب والاحترام.
فالاحترام لا يعني الخوف، والاستقلال لا يعني العقوق، والحزم لا يعني القسوة.
وربما يكون أفضل طريق لحماية الأبناء والآباء معًا هو أن نفتح باب الحوار قبل أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها كل طرف في الأسرة يبحث عن النجاة من الطرف الآخر.


