اشتعل الجدل حول دخول بعض رؤساء الجامعات لأن المجتمع رأى أرقامًا بالملايين في مقابل إحساس واسع لدى أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة بأن دخولهم بعيدة تمامًا عن هذه
المستويات ،وبعد أن إستشرت فتة بين رؤساء الجامعات أنفسهم عندما يجد أحدهم أن إجمالى مايتحصل عليه سنويا فى جامعة لايزيد عن 2 مليون ونصف المليون جنيه ، وزميله فى جامعة أخرى يصل إجمالى دخله إلى ثلاثة ملايين جنيه فى السنة وزميل آخر فى جامعة ثالثة يصل إجمالى دخله السنوى إلى ثلاثة ملايين جنيه ونصف !! وفى جامعة رابعة زاد إجمالى ماهو مخصص لرئيس الجامعة من رواتب ومكافآت من مختلف الاماكن بالجامعة إلى أكثر من ذلك وتم خصم مايزيد عن 35 ضعف الحد الأدنى للأجور منه فوصل إلى الإجمالى النهائى إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون جنيه ـ
ليس هذا فحسب بل أن الأخطر هو أن هذا الرقم ليس فيه مكافآت رئيس الجامعة عند توليه مسئولية الجامعة الأهلية التى خرجت من رحم جامعته بالإضافة إلى رئاسته للجامعة الحكومية الأم ـ وكل الجامعات الحكومية خرجت من رحمها جامعات أهلية ، ومازال معظمها يتولى الإشراف على هذه الجامعات الأهلية نفس رؤساء الجامعات الحكومية وبالتالى يزيد مايتقاضاه رؤساء الجامعات سواء فى الجامعة الحكومية أو الجامعة الأهلية إلى عدة ملايين أخرى من الجنيهات تزيد عما يتقاضاه رئيس الجامعة الحكومية فى جامعته الحكومية الأصلية
كيف يتكون دخل رئيس الجامعة ؟
وهنا تحولت المسألة من سؤال محاسبي إلى سؤال عدالة: كيف يتكون دخل القيادة الجامعية ؟ وما الذي يدخل في الحد الأقصى وما الذي لايدخل؟ ومن يراجع جميع المصادر؟ وهل توجد قاعدة واحدة يفهمهاالأستاذ والمراجع والمواطن؟أم أن كل مبلغ له باب
وسند وفتوى مختلفة؟.
والخطأ هنا هو أن نحول القضية إلى محاكمة أشخاص. ققد يكون كل جنيه قد صُرف وفق سند قانوني صحيح، ومع ذلك يبقى النظام نفسه محتاجًا للإصلاح. فالمشكلة الحقيقية تظهر عندما يكون الراتب الرسمي محدودًا نسبيًا، بينما تتكون الحزمة الفعلية من مكافآت لجان ومراكز ووحدات وأدوار في كيانات جامعية مرتبطة. وكلما تفرقت الحزمة، أصبح الرقم النهائي مفاجأة، وازدادت مساحة الشائعة والمجاملة وسوء الفهم..
وهنا يجب تصحيح نقطة جوهرية ـ كما يقول د0أمين لطفى أستاذ المحاسبة والمراجعة المعروف ورئيس جامعة بنى سويف السابق لأن المسألة ـ كما يقول لا تتعلق بغياب السندالقانوني خاصة وأن هناك خطاب صادر عن المستشار رئيس الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بتاريخ 10 مارس 2025، انتهى – في الحالةالتي تناولها – إلى أن المقابل الذي يحصل عليه كل من رئيس الجامعة الحكومية وأعضاء هيئة التدريس بها نظير ما يقومون به من أعمال بالجامعة الأهلية لا يدخل في حساب الحد الأقصى للدخول المحددبالقانون رقم 63 لسنة 2014. هذه الفتوى يجب أن تكون في قلب النقاش لا على هامشه.
ومعنى ذلك أن بعض المبالغ التي تشعل الجدل قد تكون مستبعدة قانونًا من حساب الحد الأقصى. وهذا لا يجعلها خطأ أو مخالفة، لكنه يكشف مشكلة حوكمة أعمق: قد يكون لدينا نظام قانوني يسمح بتعدد مصادر الدخل بصورة صحيحة، لكنه ينتج في النهاية فجوة يصعب على المجتمع الجامعي فهمها وقبولها. ومن هنا يصبح الحل ليس فى مهاجمة الفتوى، بل إعادة تصميم القاعدة العامة بحيث تكون المعاملة المالية للقيادة واضحة قبل أن تتكون هذه الاستثناءات.
حل للمشكلة
والحل الذي أطرحه ـ والحديث مازال على لسان د. أمين لطفى أستاذ المحاسبة والمراجعة المعروف ـ ليس أن يصبح رئيس الجامعة عضوًا في مجلس الوزراء أو أن تتغير صفته الدستورية. بل المقصود أن ينص المشرع صراحة على أن رئيس الجامعة الحكومية يُعامل ماليًا معاملة الوزير في عناصر التعويض الرئيسية، بدلا من أن تبقى المسألة موزعة بين كونه صاحب سلطات وزير في مواضع، علي ان يعامل معاملة الوزير في المعاش ايضا، وبين حزمة دخل فعلية تتشكل من أبواب متعددة. فلاشك المعاملة المالية للوزير هي التعبير الأدق والأكثر قابلية للتطبيق من عبارة فضفاضة مثل “بدرجة وزير”.
حيث أن القانون رقم 28 لسنة 2018 حسم المعاملة المالية للوزراء بوضوح والذى نصل على الآتى : الوزير والمحافظ يتقاضيان راتبًا شهريًا يعادل صافيه الحد الأقصى للأجور. الفكرة هنا ليست قيمة الرقم فقط؛ بل وضوح القاعدة. المواطن يستطيع أن يعرف نقطة البداية ونقطة النهاية.
أما رئيس الجامعة، فالنظام القانوني يمنحه مكانة قيادية رفيعة، لكن هذا الوضوح لم يُستكمل إلى حزمة مالية موحدة أثناء شغل المنصب وهذا يفسر ما أتذكره من مناقشات دارت – في حدود عام 2015 أثناء رئاستي للجامعة – حول فكرة تحديد أجور ومخصصات قطعيةللوزراء والمحافظين ورؤساء الجامعات.. وكان المتوقع أن يخرج النظام بحزمة واضحة لتلك القيادات، لكن التطور اللاحق حسم المعاملة المالية للوزراء بصورة مباشرة، بينما ظل رئيس الجامعة يحتاج عمليًا إلى التعامل مع منظومة مركبة من الراتب والبدلات والمكافآت والأعمال الإضافية.
مشكلة الجامعات الأهلية
ويضيف د. أمين لطفى أن ظهور الجامعات الأهلية المرتبطة بالجامعات الحكومية أظهر طبقة جديدة. فهناك أعمال فعلية يؤديها رئيس الجامعة وأعضاء هيئة التدريس في هذه الكيانات، والفتوى المشار إليها قررت في نطاقهاعدم إدخال المقابل عنها في حساب الحد الأقصى للدخول. من الناحية القانونية، وهذا يحسم حالة بعينها. ومن ناحية الحوكمة، يطرح سؤالًا أوسع : إذا كان نفس المسؤول العام يحصل على مقابل من كيان جامعي مرتبط بوظيفته وخبرته وموقعه، فهل يكفي أن نعرف أن المبلغ مستثنى من الحد الأقصى، أم نحتاج أيضًا إلى الإفصاح عن إجمالي التعويض من المنظومة الجامعية كلها؟.
والإجابة في رأيي ـ كما كما يقول أستاذ المحاسبة والمراجعة واضحة وهى : أن الاستثناء من الحد الأقصى لا يجب أن يعني الاستثناء من الإفصاح. فالحد الأقصى قاعدة لتحديد مايجوز احتسابه قانونًا، أما الشفافية فهي قاعدة لمعرفة الصورة كاملة.حيث يمكن لمبلغ أن يكون مشروعًا ومستثنى من السقف، وفي الوقت نفسه يجب أن يظهر ضمن بيان التعويض الكلي حتى يعرف المجتمع مصدره وطبيعته وسنده.قلت لرئيس جامعة بنى سويف السابق واستاذ المحاسبة والمراجعة المعروف : وهل نجعل المنصب بهذه الصورة مولدا للمكافآت؟.
قال د. أمين لطفى ـ أنا معك تتكرر في الحوار العام دائما عبارة أن ” رئيس الجامعة موجود في كل لجنة ومركز. وقد يكون هذا بحكم القانون أو اللائحة أو لأن الجهة نفسها ترى أن وجوده ضروري. لكن النظام الرشيد لا يحتاج إلى اتهام النوايا. إذا كان حضور رئيس الجامعة في لجنة أو مجلس جزءًا طبيعيًا من وظيفته، فيجب أن تغطيه الحزمة القيادية الأصلية.
أما إذا كان عملًا متخصصًا إضافيًا حقيقيًا، فيمكن تعويضه وفق قواعد معلنة. ولهذا فإن ما ينبغي تجنبه هو أن تصبح كل عضوية منصبية بابًا ماليًا مستقلًا. والعدالة لا تعني أيضا مساواة الرئيس بالأستاذ لأنه من الطبيعي أن يتقاضى رئيس الجامعة أكثر من عضو هيئة التدريس؛ فهو مسؤول عن مؤسسة كبيرة وموازنات ومستشفيات ومشروعات وموظفين وطلاب ومخاطر قانونية ومالية. لكن الفرق المشروع هو الفرق القابل للتفسير. حين لا توجد حزمة معلنة للرئيس، وحين يسمع الأستاذ أرقامًا ضخمة من مصادر متعددة، تتحول الفجوة من فارق وظيفي إلى إحساس بعدم العدالة. لذلك فالحل ليس خفض القيادة إلى مستوى الأستاذ، بل رفع وضوح القاعدة وتحسين دخل القاعدة الأكاديمية في الوقت نفسه.
ولهذا يمكن للمشرع أن يغلق هذا الملف بنص واضح لا يحتاج إلى عشرات التفسيرات : بحيث يُعامل رئيس الجامعة الحكومية المعاملة المالية أثناء شغل المنصب بنفس معاملة الوزير، مع تحديد أن المقصود هو الراتب والمزايا القيادية الأساسية وفق القانون المنظم للوزراء، وليس اكتساب الصفة الدستورية للوزير. ثم تُنظم في مادة تالية الأعمال الإضافية والجامعات الأهلية والوحدات المرتبطة والإفصاح عنها.
كيفية التطبيق
ـ أما عن كيف تعمل هذه القاعدة المقترحة فإننى أقترح الآتى ـ كما يقول د. أمين لطفى، حزمة قيادية أساسية موحدة ومعلنة لرئيس الجامعة الذي بدرجة وزير،ترتبط مباشرة بالمعاملة المالية المقررة للوزير.
- إلغاء المكافآت المتعددة عن اللجان والمجالس التي يرأسها بحكم المنصب، واعتبارها جزءًا من الوظيفة الأصلية.
- الإبقاء على المقابل عن الأعمال الإضافية الحقيقية التي يجيزها القانون أو الفتوى، لكن مع إدراجها في بيان التعويض الكلي السنوي0 • النص صراحة على كيفية معاملة المقابل الناتج عن العمل بالجامعةالأهلية، مع احترام ما
انتهت إليه فتوى 10 مارس 2025 ما لم يقرر المشرع تنظيمًا عامًا جديدًا - إقرار إفصاح سنوي واحد يجمع كل ما حصل عليه رئيس الجامعة منالجامعة الحكومية
والجامعة الأهلية والوحدات والمراكز والجهاتالمرتبطة - منع مشاركة رئيس الجامعة في أي قرار يحدد مكافأته الشخصية أوالمقابل الذي يحصل عليه، مع توثيق الجهة التي وافقت على كلعنصر من عناصر الحزمة
تجارب الآخرين
وتعتبر التجربة الإنجليزية مفيدة هناـ كما يقول د. أمين لطفى حيث لا يحدد راتب رئيس الجامعة بنفسه، لكنه يفرض على الجامعات الإفصاح في القوائم المالية المدققة عن الحزمة الكاملة لرئيس المؤسسة، بما في ذلك الراتب والمكافآت والمزايا، مع تبريرها، كما يطلب بيان العلاقة بين أجر رئيسالجامعة وأجور العاملين. والفكرة ليست أن الراتب المرتفع ممنوع، بل أن الراتب المرتفع يجب أن يكون مرئيًا ومبررًا. وفي الولايات المتحدة، تفرض قواعد الإقرار
السنوي للمنظمات غير الهادفة للربح الإفصاح عن تعويض كبار المسؤولين، وتدخل في حالات محددة التعويضات التي تدفعها منظمات مرتبطة أيضًا.
وهذا المبدأ شديد الصلة بوضعنا: وجود كيان قانوني مستقل أومرتبط لا ينبغي أن يجعل
الصورة العامة لدخل القيادة مستحيلة. جيث ـم الإفصاح يجب أن يتبع الشخص والمسؤولية، لا أن يتوقف عند حدود كل دفتر حسابي منفرد..
• قلت : وهل هذا سيكون أفضل من مجرد التشديد الرقابي؟
ـ قال د0أمين لطفى ـ نعم ـ لأن الرقابة اللاحقة تجيب عن سؤال: هل المخالفة وقعت؟ أماالقاعدة الموحدة فتمنع أصلًا أن يتكون نظام معقد يحتاج إلى أزمة كل عام لكي نفهمه. كما أن الجهاز المركزي للمحاسبات والجهات الرقابية يمكنها مراجعة الصرف، لكن المجتمع الجامعي يحتاج قبل ذلك إلى تصميم مالي بسيط: راتب معروف، استثناءات محددة، إفصاح كامل. الرقابة لا تعوض ضعف التصميم. والحل لا يكتمل من دون أعضاء هيئة التدريس لأننا إذا انتهينا إلى حزمة واضحة لرئيس الجامعة ثم تركنا دخول أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة تتآكل، فسنكون قد حللنا نصف المشكلة فقط. لذلك فالإصلاح المتوازن يجب أن يراجع أجور الأكاديميين بمايعكس التأهيل والبحث والتدريس، وأن يقلل اعتمادهم أيضًا على المكافآت المتناثرة. الجامعة التي تريد بحثًا عالميًا لا يمكن أن تجعل الأستاذ يبحث طوال الوقت عن مصادر دخل جانبية ليعوض ضعف الراتب الأساسي.
معاملة أو بدرجة وزير
• وهنا سألت رئيس جامعة بنى سويف السابق وأستاذ المحاسبة والمراجعة المعروف د0أمين لطفى : زماذا سيتغير عندما يصبح رئيس الجامعة بدرجة وزير معاملًا ماليًا كوزير؟
ـ أجاب قائلا : الأثر الأول هو نهاية المفاجأة. حيث لن نحتاج كل عام إلى جمع ثماني أو عشر وحدات حسابية لمعرفة كم حصل رئيس الجامعة، لأن نقطة التعويض الأساسية ستكون محددة مسبقًا.
ـ الأثر الثاني هو حماية المسؤول نفسه؛ فالرئيس الذي يحصل على حزمة معلنة لا يصبح عرضة للاشتباه لمجرد ظهور رقم كبير في مستند منفصل.
ـ والأثر الثالث هو سهولة الرقابة؛ إذ تصبح الاستثناءات هي التي تحتاج تفسيرًا، لا كل الحزمة.
ـ الأثر الرابع هو تقليل المجاملة المؤسسية. حين تكون كل عضوية في لجنة أو مركز فرصة لمكافأة جديدة، ينشأ حافز طبيعي لتكثير العضويات. أما حين تغطي الحزمة القيادية المهام المرتبطة بالمنصب، فإن قرار تشكيل اللجنة يصبح إداريًا لا ماليًا.
ـ والأثر الخامس هواستعادة الثقة بين القمة والقاعدة؛ لأن الأستاذ يعرف أن الفارق بينه وبين الرئيس محدد بقانون، لا بتعدد أبواب لا يراها.
• قلت : وماذا نفعل مع فتوى 10 مارس 2025؟
أجاب د. أمين لطفى : لا نلغيها بالشعارات ولا نتجاهلها. فهي حقيقة قانونية في نطاق الحالة التي تناولتها، ويجب احترامها ما دامت قائمة. لكن المشرع يستطيع أن يبني فوقها نظامًا أشمل. حيث يمكن أن يبقى المقابل المستحق عن العمل بالجامعة الأهلية مثلا خارج حساب الحد الأقصى وفق الفتوى، مع إلزام الإفصاح عنه، أو يمكن للمشرع أن يعيد تنظيم المسألة مستقبلاً بنص عام يحدد العلاقة بين الحزمة الأساسية والمقابل الإضافي. المهم أن نميز بين ثلاثة أشياء: قانونية الحصول على المقابل، دخوله أو عدم دخوله في الحد الأقصى، ووجوب الإفصاح عنه. هذه ليست مسألة واحدة. ولكن الأهم هو تعيين رئيس للجامعة الحكومية، مع تعيين رئيس آخر للجامعة الاهلية، وهذا هو موضوع لااختلاف عليه والقضية هي مسالة حوكمة فقيرة، وهذا سيكون موضعه مقالة اخري.
ويمكن أن يدور النص المقترح حول الآتي: يُعامل رئيس الجامعة الحكومية، طوال مدة شغله المنصب، من حيث المرتب والمزايا الماليةالقيادية الأساسية معاملة الوزير. ويحدد بقرار تنظيمي موحد المقابل عن الأعمال الإضافية التي يؤديها في الجامعات الأهلية أو الكيانات المرتبطة، مع الإفصاح سنويًا عن إجمالي ما تقاضاه من جميع المصادر، وذلك دون إخلال بالأحكام القضائية والفتاوى الملزمة أوالقواعد الخاصة بالحد
الأقصى للدخول. هذه مجرد صياغة سياساتية تحتاج بطبيعة الحال إلى مراجعة تشريعية دقيقة، لكنها توضح الاتجاه.
ليست معركة ضد رؤساء الجامعات
وأنا أتفق مع د. أمين لطفى أن هذه ليست دعوة لمهاجمة رؤساء الجامعات ولا لتصوير أعضاء هيئة التدريس باعتبارهم أصحاب مطالب مالية فقط. لأن القضية هي حماية الجامعة من أزمة ثقة. فالقيادة الجامعية تحتاج تعويضًا يليق بحجم المسؤولية، والأستاذ يحتاج أجرًا يليق بقيمة العلم، والمواطن يحتاج أن يعرف كيف تُنفق أموال المؤسسات العامة، والجهات الرقابية تحتاج إلى قاعدة يمكن مراجعتها بسهولة. ولهذا نرى أن الطريق الأقصر لإنهاء الجدل هو الانتقال من التعبير الغامض بدرجة وزير إلى النص الواضح معاملة مالية كمعاملةالوزير. ما دام القانون
قد حسم للوزير راتبه، وما دام قانون الجامعات قد قرر أصلًا معاملة رئيس الجامعة معاملة الوزير من حيث المعاش، فإن استكمال المنطق بحزمة مالية موحدة أثناء المنصب يستحق المناقشة الجادة. والهدف ليس رفع دخل أحد أو خفض دخل آخر؛ بل الهدف أن تصبح القاعدة واحدة، والرقم مفهومًا، والاستثناء معلنًا، والجامعة فوق الشبهة والمجاملة معًا.
إغلاق منافذ الغموض
والخلاصة: من الضرورى إغلاق منافذ الغموض قبل أن تتكرر الأزمة… والعدالة تبدأ من وضوح القاعدة حيث كلما ظل دخل القيادة الجامعية موزعًا بين موازنة جامعة، ووحدة خاصة، ولجنة، وجامعة أهلية، ستعود نفس الحلقة بأسماء وأرقام مختلفة. أما إذا كانت هناك حزمة قيادية واحدة، وقاعدة واضحة للأعمال الإضافية، وإفصاح شامل، ومراجعة مستقلة، فسيتحول السؤال من : من أين جاءت الملايين؟ إلى سؤال أكثر صحة: هل التعويض المعلن عادل ومتناسب مع المسؤولية والأداء؟. عندها فقط نكون قد أنهينا الجدل من جذره بدل أن نؤجله إلى الحلقة التلفزيونية التالية.
وإذا أراد المشرع إغلاق هذا الملف جذريًا، فهناك صياغة تشريعية مباشرة يمكن مناقشتها وهى : تقرير معاملة مالية قيادية موحدة لرئيس الجامعة الحكومية تعادل المعاملة المالية المقررة للوزير في عناصرها الرئيسية، مع بيان صريح لما إذا كانت الأدوار المرتبطة بالجامعة الأهلية أو الوحدات التابعة تدخل في هذه الحزمة أو تُضاف إليها، ووضع قاعدة إفصاح
ومراجعة واحدة للجميع. بهذه الصياغة لا نترك كلمة ” بدرجة وزير ” أو ” سلطة وزير ” تحمل توقعات مالية غير محسومة، ولانحتاج إلى عشرة أبواب مكافآت لتعويض منصب واحد.
هذه ليست مطالبة برفع دخل مسؤول على حساب أعضاء هيئةالتدريس، ولا دفاعًا عن أي
رقم نشرته الصحافة. إنها مطالبة بإلغاءالغموض. فإذا اختارت الدولة أن يكون رئيس الجامعة في مستوى مالي يساوي الوزير، تقول ذلك بنص صريح وحزمة واحدة. وإذااختارت مستوى آخر، تعلنه
أيضًا. لكن أسوأ النظم هو نظام يضع راتبًا محدودًا في الجدول، ثم يترك الدخل الحقيقي يتكون من مكافآت متفرقة لا يعرف المجتمع مجموعها إلا عند وقوع أزمة.
والجدل الحالي لن ينتهي بالهجوم على رئيس جامعة، ولن ينتهي بالدفاع عنه، ولن ينتهي بإخراج فتوى جديدة لكل واقعة. بل سينتهي عندما تصبح القاعدة أوضح من الشائعة: سقف معلوم، حزمة معلنة، مصادر مجمعة، رقابة سابقة ولاحقة، منع لتعارض المصالح، ومراجعة متوازنة لدخول أعضاء هيئة التدريس. حينها فقط لن يهم أن يكون الرقم ثلاثة ملايين أو أقل أو أكثر؛ لأن المجتمع سيعرف مسبقًا كيف تكوّن، ولماذا استُحق، ومن راجعه.
لقد أصبحت القضية أكبر من كم قبض رئيس الجامعة؟. إنهااختبار لثلاث قيم: عدالة الأجر،
وشفافية المال العام، واحترام الجامعة كمؤسسة علمية لا ساحة للمجاملة أو الاتهام. وفي دولة تسعى إلى جامعات عالمية، يجب أن تكون حوكمة من يقود الجامعة عالمية هي الأخرى: تعويض عادل، أداء قابل للقياس، وإفصاح لا يترك وراءه سؤالًا واحدًا بلا إجابة.


