تعودت من المهندس طارق النبراوى، نقيب المهندسين السابق، أنه يفضل دائمًا السباحة ضد التيار، ويعشق الشو الإعلامى، ولا ينام كل ليلة إلا ويفكر فى صدمة جديدة للمجتمع تجعله محور حديث الكثيرين لفترة طويلة.
تابعته طوال السنوات الماضية عندما كان نقيبًا للمهندسين، وبدأ يدخل فيها معارك إعلامية «فسبوكية» مع وزارة التعليم العالى، إما معترضًا على أعداد المقبولين بكليات الهندسة، أو معترضًا على الحد الأدنى للقبول بكليات الهندسة بالجامعات الخاصة والأهلية، أو رافضا قيد خريجى المعاهد العليا الخاصة بنقابة المهندسين لضعف مستواهم من وجهة نظره مع أن هؤلاء الخريجين حاصلين على شهادة بكالوريوس الهندسة، وأن الجهة الوحيدة فى مصر التى تصدق على منح المؤهل الجامعى أيًا كان مسماه، والمؤهل لسوق العمل ولكل هؤلاء، هى وزارة التعليم العالى والمجلس الأعلى للجامعات، وليس نقابة المهندسين.
نعم، من حق النقابة أن تضع ضوابط لممارسة المهنة، لكن ليس من حقها أن تحدد أعداد المقبولين بالجامعات والمعاهد، ولا أن تتدخل فى تحديد الحد الأدنى للقبول بها. نعم، قد يتم الاسترشاد برأيها فى مثل هذه الموضوعات، مثلها مثل بقية النقابات المهنية الأخرى، وقد كان المهندس طارق النبراوى عضوًا فى لجنة قطاع كليات الهندسة بالمجلس الأعلى للجامعات بحكم منصبه، لكن الرأى النهائى فى تحديد أعداد المقبولين بجميع الكليات والمعاهد يكون للوزارة والمجلس الأعلى للجامعات.
فهم خاطئ
نعم، تابعت المهندس طارق النبراوى كثيرًا عندما كان نقيبًا للمهندسين قبل أن يترك هذا المنصب، ولقاءاته المتعددة مع وزير التعليم العالى السابق -وهو مهندس مثله- وكان فى هذه اللقاءات يتفق مع الوزير على شيء، ويخرج من اللقاء ليعلن شيئًا آخر غير الذى تم الاتفاق عليه، بل ويصرح بعكسه تمامًا، ليستمر فى إرباك المشهد الجامعى لجميع طلاب كليات ومعاهد الهندسة فى مصر.
لكن عندما ترك منصب نقيب المهندسين على غير رغبته، اعتقدت أنه سيتفرغ للاستمتاع بما تبقى من عمره من سنوات بعيدًا عن الصراعات والصدامات التى كان يعشقها قبل ذلك، لكننى فوجئت بهجوم شديد منه على وسائل التواصل الاجتماعى تحت عنوان «تصريح صادم»، تعليقًا على ما صرح به العالم الجليل د. محمد سامى عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، والذى نجله جميعا، وذلك بشأن زيادة إيرادات الطلاب الوافدين بكليات الجامعة المختلفة بنحو ٨ ملايين دولار على مدى العامين الماضيين. وقد بنى المهندس النبراوى رأيه فى تصريح رئيس جامعة القاهرة الصادم له كما يقول على تفسير للتصريح يختلف عن السياق الذى قيل فيه، ثم انتقل من هذا التفسير إلى نتيجة أخطر، وهى أن زيادة إيرادات الطلاب الوافدين جاءت على حساب فرص الطلاب المصريين فى الالتحاق بجامعة القاهرة. وهذا غير صحيح على الإطلاق؛ لأنه كما يعلم أن تحديد أعداد المقبولين بكل كلية من جانب المجلس الأعلى للجامعات يكون بناء على رأى لجان القطاع المتخصصة بالمجلس الأعلى طبقًا للإمكانات المادية والبشرية بكل كلية فى كل جامعة، ويتم كل ذلك قبل فتح باب التقدم للوافدين، وبالتالى فإن قبول أى طالب وافد بعد ذلك لا يكون على حساب أعداد الطلاب المصريين الملتحقين بكل كلية. كما أن هذا الرقم، وهو ٨ مليون دولار، لا يمثل إجمالى إيرادات الطلاب الوافدين بجامعة القاهرة كما كان يعتقد المهندس النبراوى، إنما يمثل الزيادة التى تحققت فى إيرادات هذا الملف نتيجة تحصيل متأخرات مستحقة للجامعة، وتحسين إدارة الملف، والعمل على جذب مزيد من الطلاب الدوليين للدراسة فى مختلف كليات جامعة القاهرة، التى لا يتجاوز عدد الطلاب الوافدين فى مجموعها نسبة ١٤% من إجمالى الطلاب المصريين بجامعة القاهرة.
ومن هنا يصبح من الضرورى، قبل إطلاق الأحكام، العودة إلى أصل الحديث وسياقه. فالتصريح لم يكن عن إحلال الطلاب الوافدين محل الطلاب المصريين، ولم يكن إعلانًا عن توجه لتحويل الجامعة إلى مؤسسة هدفها جمع الإيرادات، بل إن الحديث جاء خلال استعراض رئيس الجامعة لما تحقق على مدار عامين من توليه مسئولية رئاسة الجامعة، والذى تناول فيه عددًا من محاور العمل، كان من بينها تعظيم الموارد المالية للجامعة إلى جانب تطوير العملية التعليمية والبحث العلمى والمستشفيات والبنية التحتية والتحول الرقمى والرعاية الاجتماعية والتوسع الدولى.
عذر نقيب المهندسين
وأنا أعذر نقيب المهندسين السابق فى الخطأ الجسيم الذى ارتكبه بالاعتراض على تعاظم عدد الطلاب الوافدين بالجامعات المصرية، وفى مقدمتها جامعة القاهرة، وتعظم الموارد المالية من جراء التحاق الوافدين بهذه الجامعات؛ لأنه ليس أستاذًا جامعيًا ولا يعرف كيف تتعامل الجامعات الدولية مع الطلاب الوافدين إليها، والتى يصل إجمالى عدد المقبولين بها إلى أكثر من ٤٠% من إجمالى عدد المقبولين بها من أبناء هذه الدولة. كما تخصص كل الجامعات المتقدمة وظيفة مؤثرة بها بدرجة نائب رئيس جامعة لشئون الطلاب الوافدين، ليعمل دائمًا على زيادة عدد الملتحقين بها، وبالتالى زيادة موارد الجامعة من حجم الرسوم الدراسية التى يدفعها هؤلاء الطلاب الوافدون، والتى لا تقل نسبة مساهمتها فى إجمالى ميزانية الجامعة عن ٤٠% إن لم تكن أكبر. وقد شاهدت ذلك على الطبيعة بمعظم جامعات دول العالم المتقدمة، وفى مقدمتها الجامعات الألمانية والكندية والأمريكية، بل توسعت هذه الجامعات خارج حدودها لتنشئ فروعًا لها فى كثير من دول العالم، جميع الملتحقين بهذه الفروع من الطلاب الوافدين.
لذلك، أؤكد للسيد النقيب السابق أن تعظيم الموارد فى جامعة بحجم جامعة القاهرة لا ينبغى اختزاله فى فكرة «جمع الأموال»، لأن الجامعة تحتاج إلى موارد لتحديث معاملها ومكتباتها، وتطوير بنيتها التحتية الرقمية، واستكمال منشآتها، وتحديث مستشفياتها، ودعم الطلاب غير القادرين فى المصروفات الدراسية والعلاج، فضلًا عن متطلبات دخولها فى مشروع Tier ١ للجامعات الرائدة الذى تتبناه الدولة.
حقيقة البيانات الرسمية
وأود هنا أن أشير من واقع الأرقام الرسمية التى تحت يدى كمتخصص فى شئون التعليم الجامعى على مدى ٥٠ عامًا، أن إجمالى عدد الطلاب الوافدين فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، على سبيل المثال -والتى أشار إليها المهندس النبراوى وتهمه فى المقام الأول بحكم الممارسة والتخصص- هو ١٢٣١ طالبًا وافدًا من إجمالى ٩٠٤٣ طالبًا بالكلية، وبما يعنى أن نسبة الطلاب الوافدين تمثل ١٣.٦% بينما تمثل نسبة الطلاب المصريين ٨٦.٤%. وفى كلية طب قصر العينى، تمثل نسبة الطلاب الوافدين نحو ٢٦% من إجمالى طلاب الكلية، مقابل نحو ٧٤% من الطلاب المصريين. وأمام هذه الأرقام، يصعب تصوير الأمر باعتباره إحلالًا للطلاب الوافدين محل الطلاب المصريين، أو انتقاصًا من فرصهم مقابل تحصيل رسوم بالدولار.
ولا أعتقد أن هناك تعارضًا بين الحفاظ على حق الطالب المصرى فى التعليم الجامعى الحكومى وبين جذب الطلاب الوافدين، الذى يجب أن نشجعه ونزيد من أعداد الطلاب الوافدين بجامعاتنا؛ لأن هذا يؤكد على المستوى المتقدم الذى وصلت إليه جامعاتنا فى التعليم، وإلا ما كانت كل هذه الأعداد قد جاءت للالتحاق بجامعاتنا بدلًا من أن تتوجّه إلى جامعات دولية أخرى فى أوروبا أو أمريكا. فالمساران يمكن أن يتكاملا ما دامت هناك قواعد واضحة للقبول، ولا يتم الانتقاص من الفرص المقررة للطلاب المصريين.
بل إن استقطاب الطلاب الوافدين يمثل أحد أبعاد «دولية» الجامعات وانفتاحها على العالم، وتدخل مؤشرات التنوع الدولى ونسب الطلاب الدوليين ضمن منهجيات عدد من التصنيفات والمؤشرات الجامعية العالمية التى تتنافس فيها جامعة القاهرة مع كبرى الجامعات إقليميًا ودوليًا. فالجامعة المرموقة لا تُقاس فقط بعدد طلابها المحليين، وإنما أيضًا بقدرتها على أن تكون مقصدًا تعليميًا جاذبًا للطلاب من مختلف الدول والثقافات. ومن ثم، فإن إقبال الطلاب الوافدين على جامعة القاهرة لا ينبغى النظر إليه فقط من زاوية العائد المالى، بل باعتباره أيضًا مؤشرًا على جاذبيتها الأكاديمية وثقة الطلاب الدوليين فى برامجها، وعنصرًا يعزز حضورها ومكانتها على خريطة التعليم العالى إقليميًا ودوليًا.
خطورة النظارة السوداء
ولذلك، أتحدى نقيب المهندسين السابق أن يعطينا دليلًا واحدًا أن هذه الزيادة فى عدد الوافدين تحققت نتيجة حرمان طلاب مصريين من أماكنهم. وأطلب منه أن يخلع النظارة السوداء التى يرتديها دائمًا عند تقييمه لكل ماهو ناجح فى هذه الدولة، ومن بينها ملف الوافدين، وأن ينظر بنظارة حقيقية صادقة لحجم ما تم من إنجاز بجامعة القاهرة على مدى العامين الماضيين فقط.
وأن يسأل نفسه كيف تحقق كل هذا وبأى موارد، سواء كان ذلك من إنشاء وتطوير المعامل بمختلف الكليات، وتطوير المستشفيات، والبنية الرقمية، وتمويل البحث العلمى. كما أن المال فى الجامعة ليس هدفًا، وإنما أداة لتمويل رسالتها. والحكم على سياسة تعظيم الموارد ينبغى أن يكون من خلال الإجابة عن سؤال بسيط: أين تذهب هذه الموارد؟ فإذا كانت توجه إلى تطوير المعامل والمكتبات والمستشفيات والبنية التكنولوجية، واستكمال المشروعات الجامعية، وتحسين الخدمات التعليمية، ودعم الطلاب غير القادرين، فإن تعظيم الموارد يصبح جزءًا من مسئولية الإدارة وليس خروجًا على رسالة الجامعة. والأهم من ذلك هو أن دعم غير القادرين من الطلاب لا يتعارض مع هذا التوجه، بل إن الجامعة أعلنت مؤخرًا توسيع مظلة التكافل الاجتماعى وتحمل كامل المصروفات الدراسية للطلاب المستحقين غير القادرين، وتحمل رسوم إقامة طلاب المدن الجامعية وفق الضوابط المقررة. كما أن جامعة القاهرة ستظل دائمًا بالتأكيد جامعة المصريين، وستظل الجامعة الحكومية الأم كذلك التى تعلم فيها أجيال من أبناء هذا الوطن. لكن مكانتها لا تتعارض مع أن تكون فى الوقت نفسه جامعة عربية وإفريقية ودولية تجذب إليها الطلاب من مختلف دول العالم.
حق النقد ولكن
نعم، من حق المهندس النبراوى، ومن حق أى مواطن، أن ينتقد إدارة جامعة القاهرة، وأن يناقش أولوياتها وسياساتها وأوجه إنفاق مواردها. بل إن مثل هذا النقاش مطلوب فى مؤسسة عامة بهذا الحجم والتاريخ. لكن النقد يكون أقوى عندما يبدأ من الوقائع. أما أن نأخذ رقمًا من حديث مطول، ونعزله عن سياقه، ثم نستنتج منه أن طالبًا وافدًا جلس فى مقعد كان من المفترض أن يشغله طالب مصرى، فهذه نتيجة تحتاج إلى دليل. لذلك، ربما كان الأدق قبل أن نصف رئيس جامعة القاهرة بشأن زيادة إيرادات الطلاب الوافدين بأنه «صادم» أن نستمع إليه كاملًا، وأن نراجع الأرقام، وأن نسأل أين ذهبت الزيادة فى الموارد، وما الذى تحقق بها. مش كده ولا إيه؟.


