NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د. عبدالمنعم السيد يكتب: مصر وكوريا الجنوبية.. من شراكة الصداقة إلى شراكة الصناعة والتكنولوجيا والتصدير

محتوي الخبر

رغم البعد الجغرافي الكبير بين مصر وكوريا الجنوبية فإن العلاقات بين البلدين تحمل خصوصية تاريخية وسياسية واقتصادية تتجاوز المسافة الجغرافية فمصر ارتبطت بتاريخ القضية الكورية منذ إعلان القاهرة في ديسمبر 1943 الذي أكد حق الشعب الكوري في أن يصبح حرًا ومستقلًا، وهو ما جعل القاهرة حاضرة في الذاكرة السياسية الكورية وبعد ذلك تطورت العلاقات تدريجيًا حتى إقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا في 13 أبريل 1995 ثم ارتقت في عام 2016 إلى مستوى الشراكة التعاونية الشامله وفي عام 2025 احتفل البلدان بمرور 30 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، مع تأكيد الجانبين الرغبة في الانتقال بالعلاقات إلى مستوى أكثر عمقًا وتأثيرًا.

والواقع أن العلاقات المصرية–الكورية الجنوبية أصبحت اليوم أمام فرصة اقتصادية مهمة للغاية ليس فقط بسبب قوة الاقتصاد الكوري والتقدم التكنولوجي والصناعي الذي حققته كوريا الجنوبية ولكن أيضا بسبب التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي ورغبة الشركات العالمية في تنويع مواقع الإنتاج وسلاسل الإمداد والوصول إلى أسواق جديدة وهنا تمتلك مصر ميزة لا تتوافر بسهولة فهي سوق كبيرة وموقعها يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وتمتلك قناة السويس والموانئ والمناطق الاقتصادية وشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة التي يمكن أن تحول الاستثمار الكوري في مصر من استثمار يستهدف السوق المحلية إلى قاعدة إنتاج وتصدير إقليمية.

ومن المهم النظر إلى كوريا الجنوبية باعتبارها نموذجًا اقتصاديًا يمكن لمصر الاستفادة منه وليس فقط مصدرًا للمنتجات والاستثمارات. فقد استطاعت كوريا خلال عقود قليلة أن تنتقل من اقتصاد نامي محدود الموارد إلى واحدة من الاقتصادات الصناعية والتكنولوجية الكبرى في العالم، مستندة إلى الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وتنمية المهارات ودعم الصناعة وزيادة الصادرات وبناء شركات عالمية قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في العلاقات المصرية–الكورية و هي مصر لا تحتاج فقط إلى استيراد التكنولوجيا الكورية وإنما تحتاج إلى استيعاب التجربة الكورية في بناء منظومة إنتاج وتصدير متكاملة.

وعلى المستوى الاقتصادي المباشر شهدت العلاقات التجارية بين البلدين تطور ملحوظ وإن كان الميزان التجاري لا يزال يميل بصورة كبيرة لمصلحة كوريا الجنوبية حيث إجمالي صادرات كوريا الجنوبية إلى مصر بلغ نحو 1.67 مليار دولار في عام 2025 مقابل صادرات مصرية إلى السوق الكورية بنحو 61.5 مليون دولار وفق بيانات وهو ما يكشف بوضوح عن فجوة كبيرة في الميزان التجاري تحتاج إلى معالجة.

أما خلال النصف الأول من 2026، فقد شهدت التجارة الثنائية تراجعًا مقارنة بالفترة المقابلة من 2025 مع استمرار اختلال الميزان التجاري لصالح كوريا الجنوبية حيث بلغت الصادرات المصرية نحو 44.6 مليون دولار بينما بلغت الواردات نحو 595.7 مليون دولار بإجمالي يقارب 640 مليون دولار وهذه الأرقام إذا نظرنا إليها اقتصاديا لا ينبغي أن تكون مدعاة للقلق بقدر ما ينبغي أن تكون دافعا لإعادة هيكلة طبيعة التجارة بين البلدين.

فالمشكلة ليست في أن مصر تستورد من كوريا سيارات ومعدات وآلات وأجهزة إلكترونية وتكنولوجية فجزء كبير من هذه الواردات يمثل مدخلات إنتاج ورأسمال صناعي وتكنولوجيا يمكن أن يساعد الاقتصاد المصري على زيادة قدرته الإنتاجية لكن المشكلة الحقيقية هي ألا يقابل هذه الواردات توسع موازي في الصادرات المصرية إلى السوق الكوري.

وهنا يجب أن تتحول السياسة الاقتصادية المصرية من مفهوم زيادة حجم التجارة إلى مفهوم أكثر أهمية وهو زيادة القيمة المضافة المصرية في التجارة مع كوريا والفرصة الأكبر في رأيي تتمثل في الاستثمار الكوري وليس التجارة وحدها

فالشركات الكورية العاملة في مصر تحقق إنتاجًا سنويًا يتجاوز 1.5 مليار دولار، ويتم تصدير نحو 80% من هذا الإنتاج إلى 47 دولة في أفريقيا والشرق الأوسط، مع توفير أكثر من 6 آلاف فرصة عمل مباشرة وهو ما يؤكد أن الاستثمار الكوري الموجود بالفعل في مصر يمثل نموذج لما يمكن أن تكون عليه المرحلة المقبلة.

وتأتي في مقدمة قصص النجاح شركة سامسونج، إلى جانب LG وشركات أخرى، بينما يمثل التعاون مع شركه هيونداي في قطاع السكك الحديدية نموذجًا مختلفًا للتصنيع ونقل التكنولوجيا. كما تتجه المباحثات المصرية–الكورية إلى مجالات أكثر تقدمًا تشمل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، والسيارات والطاقة المتجددة، وبناء السفن، واللوجستيات والصناعات التكنولوجية.

ولاشك انه آن الأوان لفكرة إنشاء منطقة صناعية كورية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ليتحول التوجه من جذب شركات منفردة إلى بناء تجمع صناعي متكامل فإذا نجحت مصر في جذب عدد أكبر من الشركات الكورية إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس فإن العائد لن يكون فقط قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإنما سلسلة كاملة من المكاسب من فرص عمل و تدريب و توطين تكنولوجيا و زيادة المكون المحلي وأيضا تطوير الموردين المصريين زيادة الصادرات وتحقيق حصيلة مستدامة من العملات الأجنبية.

كما أن مصر يمكن أن تصبح بالنسبة للشركات الكورية منصة إنتاج موجهة إلى أفريقيا فالشركة الكورية التي تنتج في مصر تستطيع الاستفادة من موقع مصر واتفاقياتها التجارية مع أفريقيا والدول العربية وأوروبا بدل من أن تنظر إلى مصر باعتبارها سوق استهلاكي فقط وهذه النقطة تحديدا تمثل ميزة تنافسية استراتيجية لمصر في المنافسة على الاستثمارات الآسيوية

ومن هنا تأتي أهمية المفاوضات الجارية بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة CEPA بين مصر وكوريا الجنوبية. فقد وقع البلدان في يناير 2026 بيان مشترك يمهد للمفاوضات بعد الانتهاء من دراسة الجدوى المشتركة على أن تشمل الاتفاقية التجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا والتنمية الصناعية وبناء القدرات

ولا شك أن الاتفاقية إذا تم التوصل إليها يجب ألا تركز فقط على تخفيض التعريفات الجمركية فقط وإنما ينبغي أن تكون اتفاقية استثمار وتصنيع وتصدير ونقل تكنولوجيا.

بمعنى أن مصر يجب أن تتفاوض على حزمة متكاملة تتضمن تشجيع الشركات الكورية على إنشاء مصانع موجهة للتصدير وزيادة المكون المحلي وتدريب العمالة المصرية وربط الشركات الكورية بالموردين المحليين وإقامة مراكز للبحث والتطوير والتدريب التكنولوجي وتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة المصرية على الدخول في سلاسل الإمداد الكورية

و ايضا التعاون في التعليم يمثل نقطة شديدة الأهمية فقد اختارت كوريا الجنوبية مصر شريكًا استراتيجيًا في خطط التعاون الإنمائي للفترة 2022–2026 وجرى توقيع مذكرة تفاهم بقيمة مليار دولار للتعاون الإنمائي كما تبلغ محفظة التعاون الإنمائي بين البلدين نحو 1.3 مليار دولار، منها نحو 85 مليون دولار منح تنموية عبر الوكالة الكورية للتعاون الدولي KOICA.

وهذا الجانب ربما يكون من أهم جوانب الشراكة على المدى الطويل لأن التجربة الكورية تثبت أن الاستثمار الحقيقي ليس فقط في المصانع والآلات وإنما في الإنسان والمهارة والتعليم الفني والتكنولوجي.

ومن هنا يجب على مصر أن تسعى إلى توسيع التعاون مع كوريا في الجامعات التكنولوجية، والتعليم الفني والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والإلكترونيات والروبوتات والبرمجيات والتصنيع المتقدم، وإدارة المصانع وسلاسل الإمداد. فالهدف النهائي ليس أن يعمل المصريون في المصانع الكورية فقط، وإنما أن يصبحوا قادرين على تأسيس وإدارة شركات مصرية قادرة على المنافسة عالميًا.

أما في القطاع الصحي، فإن التعاون في توطين صناعة اللقاحات والتكنولوجيا الطبية يفتح مجالًا آخر مهما خصوصًا أن مصر تمتلك قاعدة دوائية وصحية يمكن تطويرها لتصبح مركزًا إقليميًا للتصنيع والتصدير إلى أفريقيا.

ومن القطاعات الواعدة أيضًا السيارات الكهربائية ومكوناتها والبطاريات خاصة في ظل التحول العالمي نحو النقل الأخضر. كما يمثل قطاع بناء وإصلاح السفن فرصة استراتيجية بسبب قناة السويس والموانئ المصرية، وهو مجال تمتلك فيه كوريا الجنوبية خبرة عالمية هائلة.

والأهم من كل ذلك أن مصر تستطيع الاستفادة من كوريا في نقل نموذج التنمية نفسه بهدف ربط التعليم بالصناعة مع تمويل التكنولوجيا يتم بناء الشركات الكبرى بهدف تتحول الشركات الصغيرة إلى موردين عالميين والانتقال من تصدير المواد الأولية والمنتجات منخفضة القيمة إلى تصدير منتجات صناعية وتكنولوجية مرتفعة القيمة.

ولا شك أن المكاسب المصرية من تعميق العلاقات مع كوريا الجنوبية يمكن أن تتمثل في ستة محاور رئيسية وهي
زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر نقل التكنولوجيا زيادة الصادرات، وتوطين الصناعات المتقدمة وتدريب وتأهيل العمالة المصرية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للشركات الكورية لخدمة أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب من مصر أن تكون أكثر حسمًا في إزالة العقبات التي يواجهها المستثمرون. وقد بدأت الدولة بالفعل في تطوير خدمات المستثمرين والرقمنة وتبسيط الإجراءات، بينما أعلنت GAFI عن منصات إلكترونية جديدة وتطوير منظومة خدمات المستثمرين.

ومن المؤكد أن العلاقات المصرية–الكورية الجنوبية أمام مرحلة جديدة فالمرحلة المقبلة يجب ألا تكون مجرد مرحلة «استيراد المنتجات الكورية»، وإنما مرحلة إنتاج التكنولوجيا الكورية في مصر وتصديرها من مصر إلى العالم.

ذلك لان كوريا الجنوبية تمتلك التكنولوجيا والخبرة الصناعية، ومصر تمتلك السوق والموقع والعمالة والموارد وشبكة الاتفاقيات التجارية وقناة السويس. وإذا نجح البلدان في دمج هذه المزايا، فإن العلاقة يمكن أن تنتقل من شراكة تجارية تقليدية إلى شراكة إنتاجية واستثمارية استراتيجية.

والهدف الذي ينبغي أن تسعى إليه مصر ليس فقط أن نرى المزيد من أسماء الشركات الكورية في السوق المصرية، وإنما أن نرى مصانع كورية–مصرية ومراكز أبحاث وتطوير وسلاسل توريد محلية، وعمالة مصرية مدربة ومنتجات تحمل قيمة مضافة مصرية وتصل إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.

وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول الشراكة المصرية–الكورية من قصة نجاح محدودة في الإلكترونيات والأجهزة المنزلية إلى نموذج أوسع للتصنيع والتكنولوجيا والتصدير، بما يدعم النمو الاقتصادي المصري ويزيد موارد النقد الأجنبي ويخلق فرص عمل نوعية ويضع مصر في موقع أفضل داخل سلاسل القيمة العالمية.

الاكثر قراءة

اشترك معنا

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com