أكد الدكتور شادي الزيات، خبير التطوير العقاري وأستاذ التسويق بالجامعة البريطانية في القاهرة، أن حماية العميل في السوق العقارية لا تبدأ عند توقيع العقد فقط، وإنما تبدأ منذ اللحظة الأولى التي يحصل فيها العميل على المعلومات التي يبني عليها قراره، موضحًا أن جودة المعلومة المقدمة للعميل أصبحت جزءًا أساسيًا من جودة الممارسة العقارية ومن استقرار العلاقة بين المطور والمشتري.
طبيعة المنتج العقاري
وأوضح الزيات، في تصريحات صحفية، أن طبيعة المنتج العقاري تجعل عملية اتخاذ القرار مختلفة عن شراء العديد من السلع والخدمات، فالعميل يتعامل مع قيمة مالية كبيرة، والتزام يمتد لسنوات، وقرارات مرتبطة بالموقع ونوع الوحدة وأنظمة السداد ومراحل التنفيذ والخدمات والتوقعات المستقبلية، ولذلك فإن المعلومات التي يحصل عليها قبل التعاقد يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على طبيعة القرار الذي يتخذه.
وأشار إلى أن السوق العقارية لا تحتاج فقط إلى تطوير أدوات البيع والتسويق، وإنما تحتاج بالتوازي إلى تطوير الطريقة التي يتم بها تقديم المعلومات للعميل، لأن عملية البيع لا تتوقف عند عرض مواصفات المشروع أو شرح نظام السداد، وإنما تمتد إلى تكوين تصور كامل لدى العميل عن المنتج الذي يقرر شراءه.
الفارق بين البيع التقليدي والاستشارة العقارية
وقال الزيات، إن الفارق بين البيع التقليدي والاستشارة العقارية المهنية يظهر بوضوح في هذه النقطة، فالمستشار العقاري المحترف لا يقتصر دوره على محاولة إتمام الصفقة، وإنما يساعد العميل على فهم المنتج وملاءمته لاحتياجاته وقدرته المالية وطبيعة القرار الذي يتخذه، مع ضرورة الفصل بين المعلومات المؤكدة وبين التوقعات أو الافتراضات المتعلقة بمستقبل الأسعار والعوائد.
وأكد أن بعض المشكلات التي تظهر بعد التعاقد قد لا تكون مرتبطة دائمًا ببنود العقد نفسها، وإنما قد تبدأ في مرحلة سابقة نتيجة اختلاف ما فهمه العميل عن المنتج عما تم تنفيذه أو عما تسمح به الشروط الفعلية، وهو ما يجعل دقة التواصل قبل البيع عنصرًا مهمًا في تقليل فرص النزاع لاحقًا.
مسؤولية جودة المعلومة
وأضاف الزيات، أن مسؤولية جودة المعلومة لا تقع على طرف واحد، وإنما هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الشركة التي تضع المنتج والسياسات التجارية، وتمتد إلى الإدارة التي تدير فرق المبيعات، ثم إلى المستشار العقاري الذي ينقل المعلومات إلى العميل، وصولًا إلى العميل نفسه الذي ينبغي أن يتحقق من التفاصيل الأساسية قبل اتخاذ قرار مالي طويل الأجل.
وأوضح الزيات، أن الشركات العقارية تستطيع تقليل مساحة الاجتهاد الفردي في عملية البيع من خلال بناء منظومة مؤسسية واضحة للمعلومات، تتضمن تحديث بيانات المنتجات والأسعار وأنظمة السداد ومراحل التنفيذ والخدمات، إلى جانب وجود مواد تدريبية موحدة تضمن حصول فرق المبيعات على المعلومات نفسها، وتمنع تضارب الرسائل التي تصل إلى العملاء من موظف إلى آخر.
الحوكمة التجارية
وأشار إلى أن هذه المنظومة ترتبط بشكل مباشر بمفهوم الحوكمة التجارية، مؤكدًا أن الحوكمة لا ينبغي أن تقتصر على الجوانب المالية والإدارية، وإنما يجب أن تمتد إلى طريقة تقديم المنتج للسوق، وكيفية إدارة الرسائل التسويقية، وآليات مراجعة المعلومات التي يتم تداولها مع العملاء.
وشدد الزيات، على أن الاستثمار في تأهيل المستشار العقاري يمثل جزءًا من حماية العميل، لأن الموظف الذي يتعامل مع قرار عقاري يحتاج إلى أكثر من مهارات الإقناع والتفاوض، ويحتاج إلى فهم طبيعة المنتج، والأساسيات الاقتصادية المرتبطة بالسوق، واحتياجات العميل، والالتزامات المالية، والمبادئ الأساسية للتعاقد، فضلًا عن الالتزام بقدر من المهنية والشفافية في تقديم المعلومات.
وأكد الزيات، علي أن المستشار العقاري لا يستطيع أن يضمن للعميل مستقبل السوق أو حركة الأسعار، ولذلك يجب أن يكون هناك فارق واضح بين عرض الحقائق وبين تقديم توقعات مستقبلية باعتبارها نتائج مؤكدة، لأن الخلط بين الأمرين قد يخلق توقعات غير واقعية لدى العميل ويؤثر لاحقًا على تقييمه للصفقة.
حماية العميل
وأضاف شادي الزيات، أن حماية العميل لا تعني خلق علاقة صدامية بين المشتري والمطور، وإنما تعني بناء علاقة أكثر وضوحًا واستقرارًا بين الطرفين، لأن المطور نفسه يستفيد من وجود عميل يعرف طبيعة المنتج والتزاماته منذ البداية، بما يقلل من فرص سوء الفهم والنزاعات ويعزز الثقة في السوق.
وأوضح أن العلاقة بين المعلومة والعقد مهمة للغاية، فالعقد يمثل الإطار القانوني الذي ينظم العلاقة، لكن العميل يصل إلى مرحلة التعاقد بعد أن يكون قد كوّن تصورًا عن المنتج من خلال مجموعة من المعلومات التي تلقاها أثناء رحلة البيع، ولذلك فإن تحسين هذه المرحلة يمكن أن يرفع جودة العلاقة بأكملها.
تطوير السوق العقارية
وأشار إلى أن تطوير السوق العقارية يحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح في عملية البيع، بحيث لا يكون إتمام الصفقة هو المؤشر الوحيد، وإنما يتم النظر أيضًا إلى جودة تجربة العميل، ومدى وضوح المعلومات التي حصل عليها، وقدرة الشركة على الحفاظ على العلاقة معه بعد التعاقد.
وأكد أن بناء سوق عقارية أكثر نضجًا يتطلب تطوير منظومة المبيعات بالتوازي مع تطوير المنتج والتشريعات وآليات التمويل وخدمات ما بعد البيع، لأن جودة السوق لا تتحدد بعنصر واحد، وإنما تتشكل من تفاعل مجموعة من العناصر التي تبدأ من المنتج ولا تنتهي عند توقيع العقد.
وأوضح الزيات أن حماية العميل تبدأ عندما يحصل على المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب وبالصورة التي تمكنه من فهمها، مؤكدًا أن العقد ينظم العلاقة بعد اتخاذ القرار، لكن المعلومة المهنية تساعد على بناء القرار نفسه بصورة أكثر وعيًا.
وأضاف أن الانتقال من ثقافة «إغلاق الصفقة» إلى ثقافة «إدارة قرار العميل» يمثل أحد المسارات المهمة لتطوير المبيعات العقارية، ليس فقط لحماية العملاء، وإنما أيضًا لحماية الشركات من نتائج التوقعات غير الواقعية وبناء علاقة أكثر استدامة بين أطراف السوق.


