أكد الدكتور محمد طلعت، رئيس مجلس إدارة شركة محمد طلعت معماريون، ورئيس اللجنة الهندسية بجمعية المطورين العقاريين، وعضو أمانة الأعمال المركزية بحزب مستقبل وطن، أن توصيات ومخرجات منتدى مصر 2026، وفي مقدمتها توصية الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بالإسراع في إقرار قانون لتنظيم السوق العقاري المصري، تمثل خطوة محورية نحو تطوير الإطار المؤسسي للصناعة العقارية، والانتقال بها إلى مرحلة أكثر نضجًا تقوم على الحوكمة والشفافية والانضباط، بما يعزز الثقة الاستثمارية ويحافظ على استدامة نمو القطاع.
تنظيم السوق العقاري
وأوضح طلعت، في سياق تعليقه على مخرجات المنتدى ومناقشات جلسة التنمية الحضرية والعمرانية، أن طرح ملف تنظيم السوق العقاري ضمن التوصيات الرئيسية يعكس إدراكًا لأهمية مواكبة التشريعات للتطور الكبير الذي شهدته السوق المصرية خلال السنوات الماضية، سواء من حيث حجم المشروعات وتنوعها، أو اتساع نطاق الاستثمار العمراني، أو تعدد أطراف المنظومة العقارية وتشابك مصالحها. وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب تطوير قواعد العمل داخل القطاع بما يتناسب مع حجمه وتأثيره الاقتصادي، ويضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية الحقوق وتعزيز استقرار التعاملات.
وأشار إلى أن صناعة التطوير العقاري لم تعد تقتصر على تصميم المباني وتنفيذها وطرح الوحدات للبيع، بل أصبحت منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ بالتخطيط ودراسة الجدوى وتخصيص الأراضي، وتمتد إلى التمويل والتشييد والتسويق والتعاقد والتشغيل وإدارة الأصول. ومن ثم، فإن الإسراع بإقرار قانون ينظم السوق يمثل ضرورة لتحديد المسؤوليات والالتزامات بين مختلف الأطراف، ووضع قواعد واضحة تحكم ممارسة النشاط، وتحد من الممارسات غير المنضبطة، وتدعم كفاءة إدارة المشروعات على امتداد دورة التطوير العقاري.
وأكد طلعت أن القيمة الحقيقية لهذه التوصية تتمثل في قدرتها على إرساء قواعد أكثر استقرارًا للسوق، بحيث لا يظل نمو الصناعة مرتبطًا فقط بزيادة حجم المبيعات أو التوسع في طرح المشروعات، وإنما يستند إلى معايير واضحة للأداء والالتزام وجودة التنفيذ. فالسوق العقاري القادر على جذب الاستثمارات طويلة الأجل هو السوق الذي تتسم قواعده بالوضوح، وتكون فيه الالتزامات التعاقدية محددة، وتتاح فيه المعلومات الأساسية التي تساعد المستثمر والمواطن على اتخاذ قرارات مدروسة.
تصنيف المطورين العقاريين
وأضاف أن القانون المرتقب ينبغي أن يتضمن إطارًا موضوعيًا لتصنيف المطورين العقاريين وفقًا لمعايير مهنية ومالية وفنية واضحة، تشمل سابقة الأعمال، والملاءة المالية، والقدرات التنفيذية، ومعدلات الإنجاز، والالتزام بالتعاقدات. وأوضح أن وجود منظومة تصنيف متوازنة من شأنه أن يعزز المنافسة القائمة على الكفاءة والقدرة الفعلية على التنفيذ، ويدعم الشركات الجادة، ويساعد على مواءمة حجم المشروعات المطروحة مع الإمكانات الحقيقية للجهات القائمة على تطويرها، مع مراعاة اختلاف أحجام الشركات وطبيعة المشروعات التي تعمل بها.
وشدد على أن تنظيم العلاقة التعاقدية بين المطور العقاري والمواطن والدولة يجب أن يمثل أحد المحاور الجوهرية للتشريع، من خلال تعزيز الشفافية في عرض المشروعات، وتوضيح الالتزامات الزمنية والمالية، وتحديد المسؤوليات المتعلقة بالتنفيذ والتسليم، ووضع آليات واضحة للتعامل مع النزاعات والتغيرات التي قد تطرأ على ظروف المشروعات. وأكد أن حماية حقوق العملاء لا تتعارض مع دعم المطورين، بل إن وجود قواعد عادلة وواضحة يحمي الطرفين، ويحد من النزاعات، ويرفع مستوى الثقة في السوق، ويعزز قدرة الشركات الملتزمة على الاستمرار والتوسع.
ومن منظور هندسي، أشار طلعت إلى أن تنظيم السوق العقاري يجب أن يرتبط كذلك بالارتقاء بجودة المنتج العمراني، إذ إن كفاءة المشروع لا تُقاس فقط بمساحته أو عدد وحداته أو قيمته البيعية، وإنما بمدى جودة تصميمه وتنفيذه، وملاءمته للاحتياجات الفعلية، وكفاءة استغلال الأراضي، وتكامل الخدمات والبنية الأساسية، وقدرته على الاحتفاظ بقيمته على المدى الطويل. وأوضح أن تطوير الإطار التنظيمي يتيح فرصة لتعزيز التكامل بين التخطيط العمراني والجدوى الاقتصادية والاشتراطات الفنية، بما يدعم بناء مجتمعات أكثر كفاءة واستدامة.
أسعار الأراضي
ولفت إلى أن صياغة القانون تتطلب مراعاة الطبيعة الخاصة للتطوير العقاري باعتباره نشاطًا استثماريًا طويل الأجل، يتأثر بتغيرات أسعار الأراضي ومواد البناء والعمالة والتمويل، فضلًا عن تطورات القدرة الشرائية ومعدلات الطلب. ولذلك، فإن نجاح التشريع لا يرتبط بسرعة إقراره فقط، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين الانضباط التنظيمي والمرونة الاقتصادية، ووضع آليات قابلة للتطبيق لإدارة المخاطر، دون فرض أعباء غير مدروسة تعوق تنفيذ المشروعات أو تؤثر في قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها.
وأكد رئيس اللجنة الهندسية بجمعية المطورين العقاريين أن كفاءة التطبيق تمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح القانون، إذ ينبغي أن تتكامل النصوص التشريعية مع آليات تنفيذ ورقابة واضحة، وتحديد دقيق لاختصاصات الجهات المعنية، إلى جانب إشراك الخبرات الهندسية والقانونية والاقتصادية وممثلي صناعة التطوير العقاري في مناقشة الأطر التنفيذية. وشدد على أن التشريع الأكثر فاعلية هو الذي ينطلق من فهم واقعي لتحديات السوق، ويقدم حلولًا عملية قابلة للتنفيذ، بدلًا من الاكتفاء بوضع التزامات عامة قد يصعب تطبيقها على اختلاف أنواع المشروعات.
توصيات منتدى مصر 2026
وأضاف أن توصيات منتدى مصر 2026 بشأن الإسراع في إقرار قانون تنظيم السوق العقاري ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل التنمية الحضرية والعمرانية في مصر، لأن بناء المدن الجديدة وتطوير المجتمعات العمرانية لا يتوقف عند إنشاء المباني والبنية الأساسية، وإنما يتطلب منظومة قادرة على ضمان استدامة الاستثمارات، وتحقيق معدلات تشغيل مناسبة، وتعظيم القيمة الاقتصادية للأصول، وربط التخطيط العمراني بالاحتياجات السكانية والأنشطة الإنتاجية والخدمية. ومن هنا، تصبح الحوكمة عنصرًا أساسيًا في الانتقال من التوسع العمراني إلى الإدارة المستدامة للقيمة العمرانية والاستثمارية.
واختتم الدكتور محمد طلعت بالتأكيد على أن توصية الإسراع في إقرار قانون تنظيم السوق العقاري تمثل فرصة لإعادة تأسيس الصناعة على قواعد أكثر احترافية واستدامة، بما يعزز عدالة المنافسة، ويحمي الحقوق التعاقدية، ويدعم المطورين القادرين على التنفيذ، ويرسخ ثقة المستثمرين والمواطنين. وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة السوق بمنطق حجم المشروعات إلى إدارتها بمنطق جودة الأداء وكفاءة المؤسسات والقدرة على الوفاء بالالتزامات، بما يجعل الحوكمة والانضباط عنصرين أساسيين في تنافسية القطاع العقاري، ويعزز دوره في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات التنمية العمرانية في مصر.


