قالت ملك ياسر، المرشدة السياحية، إن المتحف المصري الكبير لم يعد مجرد صرح أثري ضخم يطل على أهرامات الجيزة، أو مساحة تضم آلاف القطع الأثرية التي تحكي تاريخ الحضارة المصرية القديمة، بل أصبح نموذجًا جديدًا للمؤسسات الثقافية التي تسعى إلى الجمع بين أصالة التاريخ وتطور التكنولوجيا.
وأضافت أن مرور عام على الافتتاح الرسمي للمتحف في نوفمبر 2025 يمثل محطة مهمة في مسيرته، بعدما استقبل نحو 5 ملايين زائر خلال عامه الأول، وفق تصريحات الإدارة التنفيذية للمتحف في نوفمبر 2026، ليؤكد مكانته كأحد أبرز المقاصد الثقافية والسياحية في مصر.
وأوضحت أن ما يلفت الانتباه في حصاد العام الأول لا يقتصر على أعداد الزائرين، وإنما يمتد إلى التحولات التي شهدتها تجربة الزيارة، بداية من الخدمات الرقمية والمرشد الصوتي، وصولًا إلى العروض الفنية الغامرة التي تعيد تقديم الحضارة المصرية القديمة بلغة الضوء والصوت والتكنولوجيا.
المتحف المصري الكبير بعد عام من الافتتاح.. ماذا تغير؟
وشهد المتحف المصري الكبير تطورًا في منظومة الخدمات المقدمة للزائرين، في إطار توجه يستهدف جعل الزيارة أكثر سهولة وتفاعلًا، وعدم الاكتفاء بمشاهدة القطع الأثرية وقراءة اللوحات التعريفية المصاحبة لها.
ومن أبرز هذه التطورات التوسع في الخدمات الرقمية التي تساعد الزائر على التعرف على مرافق المتحف والوصول إلى مختلف المناطق والخدمات داخله، إلى جانب تطوير منظومة الإرشاد الصوتي، والتوسع في اللغات المتاحة، بما يتيح للزائرين من جنسيات مختلفة التعرف على تاريخ القطع الأثرية بصورة أكثر وضوحًا.

كما تعمل إدارة المتحف على تطوير تجربة الحجز الإلكتروني، وتسهيل إجراءات شراء التذاكر من خلال المنصة الرسمية، بما يسهم في تنظيم حركة الدخول والحد من التكدس، والحفاظ على جودة تجربة الزيارة.
وتعكس هذه الخطوات اتجاهًا جديدًا في إدارة المتاحف، يعتمد على توظيف التكنولوجيا في خدمة التراث، وجعل المعرفة الأثرية أكثر سهولة وإتاحة لمختلف الفئات.
«الشمس الأبدية».. عندما يتحول المتحف إلى حكاية من الضوء والموسيقى
ومن أبرز الإضافات الجديدة التي شهدها المتحف المصري الكبير بالتزامن مع الذكرى الأولى لافتتاحه، تجربة فنية غامرة تحمل اسم «الشمس الأبدية» (Eternal Sun)، والتي انطلقت في الأول من نوفمبر 2026 داخل البهو العظيم.
وتقدم التجربة نموذجًا مختلفًا للتفاعل مع الحضارة المصرية القديمة، حيث يتحول البهو العظيم إلى مساحة فنية تستخدم تقنيات الإسقاط الضوئي والإضاءة والموسيقى والسرد القصصي، في رحلة بصرية تستحضر نحو خمسة آلاف عام من الحضارة المصرية.
ولا تقتصر التجربة على عرض مشاهد جمالية، بل تستلهم فلسفة المصري القديم ورمزية الشمس باعتبارها مصدرًا للحياة والتجدد والاستمرار، وهي مفاهيم احتلت مكانة مهمة في المعتقدات الدينية والفكرية لمصر القديمة.
وتستمر التجربة نحو 35 دقيقة، مع تقديم السرد باللغتين العربية والإنجليزية، ومن المقرر استمرارها حتى 30 أبريل 2027.
وتكشف هذه الإضافة عن اتجاه جديد في تقديم التراث الأثري، يقوم على الجمع بين المعلومة التاريخية والتجربة الحسية، بحيث لا يكتفي الزائر بمعرفة قصة الحضارة، بل يعيش جزءًا من أجوائها من خلال الصورة والصوت والضوء.
التكنولوجيا تدخل تجربة الزيارة.. من التذكرة الذكية إلى الإرشاد الرقمي
ولم تتوقف عملية التطوير عند العروض الفنية، بل امتدت إلى الخدمات الرقمية التي ترافق الزائر منذ التخطيط للزيارة وحتى التجول داخل المتحف.
فقد شهدت منصة حجز تذاكر المتحف تطويرًا إلكترونيًا يستهدف تبسيط خطوات الحجز وتحسين تجربة المستخدم، مع التأكيد على الاعتماد على المنصة الرسمية لتجنب المواقع الوهمية التي قد تبيع تذاكر غير موثوقة.
كما تعمل إدارة المتحف على التوسع في خدمات الإرشاد الرقمي، التي تساعد الزائر على التعرف على أماكن المرافق المختلفة، إلى جانب تطوير المرشد الصوتي وتوسيع نطاق اللغات المتاحة، ومنها العربية والإنجليزية واليابانية.
وتسعى هذه الخدمات إلى جعل تجربة الزيارة أكثر استقلالية ومرونة، خاصة بالنسبة للسائح الأجنبي الذي يرغب في التعرف على تفاصيل المعروضات دون الاعتماد الكامل على وجود مرشد سياحي.
وهنا تظهر أهمية التكنولوجيا باعتبارها وسيلة لتوصيل المعلومة الأثرية، وليس مجرد عنصر للترفيه أو الإبهار البصري.

كنوز توت عنخ آمون.. المجموعة الكاملة في مكان واحد
وعلى الرغم من التطورات التكنولوجية، تظل القيمة الأثرية للمتحف المصري الكبير هي العنصر الأهم في هويته.
وتأتي قاعات الملك توت عنخ آمون في مقدمة أبرز مناطق العرض، حيث تضم المجموعة الكاملة لمقتنيات الملك الشاب، التي يزيد عددها على خمسة آلاف قطعة أثرية.
وتحمل هذه المقتنيات أهمية تاريخية استثنائية، خاصة أن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 على يد هوارد كارتر كان واحدًا من أهم الاكتشافات الأثرية في التاريخ الحديث.
وتتنوع مقتنيات الملك بين الأثاث الملكي والمجوهرات والمركبات والأسلحة والأدوات اليومية والقطع الجنائزية، لتقدم صورة متكاملة عن الحياة الملكية والمعتقدات الدينية والفنون خلال عصر الدولة الحديثة.
ويمثل جمع هذه المجموعة في سياق عرض متحفي متكامل فرصة استثنائية للباحثين والمهتمين بالآثار والزائرين من مختلف أنحاء العالم.
مركب الملك خوفو.. رحلة من أعماق التاريخ إلى أحدث تقنيات الترميم
ومن أبرز العناصر الأثرية التي يقدمها المتحف مركب الملك خوفو، الذي يرتبط بالمعتقدات الدينية للمصري القديم وفكرة الرحلة إلى العالم الآخر.
ويحظى مشروع إعادة تجميع وترميم المركب الثانية باهتمام علمي خاص، حيث تتطلب عملية التعامل مع أخشاب المركب خبرات متخصصة وتقنيات دقيقة للحفاظ على مكوناتها وإعادة تركيب أجزائها.
ويكشف المشروع عن جانب مهم من العمل الذي يجري داخل المتحف، بعيدًا عن قاعات العرض، حيث تتعاون الخبرات المصرية والدولية في أعمال الترميم والدراسة والتوثيق.



