NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د. محمد اليمني يكتب: من واشنطن إلى لندن.. هل تسير أمريكا على خطى الإمبراطورية البريطانية؟

محتوي الخبر

لا يمكن قراءة الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في محيط الشرق الأوسط، وفي البحار المفتوحة المحيطة به، باعتباره مجرد استعداد تكتيكي أو رسالة ردع محدودة موجهة إلى إيران وحدها، كما تحاول الخطابات الرسمية الأمريكية والإعلام الغربي المرافق لها أن يوحي. فالمشهد أوسع، وأعمق، وأكثر خطورة، ويشي بأننا أمام لحظة انتقال تاريخية في السلوك الإمبراطوري الأمريكي، لحظةٍ تخلّت فيها واشنطن عمليًا عن معظم أدوات القوة الناعمة، ولم يتبقَّ في جعبتها سوى خيار القوة الخشنة بوصفه اللغة الأخيرة لإدارة عالمٍ بدأ ينفلت من بين أصابعها.

هذا الحشد العسكري، بحجمه ونوعيته وانتشاره الجغرافي وتوقيته السياسي، لا يستهدف إيران فحسب، بل يوجَّه بالدرجة الأولى إلى كامل الإقليم، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم، قبل خصومها ورافضي هيمنتها.

الرسالة هنا ليست رسالة حرب بقدر ما هي رسالة إخضاع شامل، تقول بوضوح لا لبس فيه: إن واشنطن لم تعد تملك ترف التفاوض الطويل، ولا قدرة الإقناع، ولا صبر إدارة التوازنات الدقيقة، وإن أي مسار إقليمي لا ينسجم مع أولوياتها الآنية سيُواجَه بالقوة العارية، أو بالتهديد باستخدامها، حتى لو طال ذلك أقرب التابعين.

في هذا السياق، يصبح الحشد العسكري أداة إرهاب سياسي جماعي، لا موجّهًا لإيران فقط، بل لإرهاب كامل المجال الإقليمي، ودفعه إلى القبول الصامت بسير الخطط الأمريكية دون اعتراض، أو حتى تأفف، أو محاولة إعادة تموضع مستقلة. فالولايات المتحدة، التي اعتادت لعقود أن تدير الشرق الأوسط عبر مزيجٍ من الحماية، والابتزاز، والدعم المشروط، والوساطة، تجد نفسها اليوم مضطرة لاستخدام القوة الصلبة كوسيلة وحيدة لضمان الانضباط الإقليمي.
الأخطر في هذا التحول ليس مجرد عسكرة السياسة الأمريكية، بل كونه يعكس حالة فقر استراتيجي عميق.

فالإمبراطوريات لا تلجأ إلى الحشود العسكرية الضخمة إلا عندما تشعر بأن أدوات السيطرة الناعمة لم تعد مجدية، وأن شبكة النفوذ الاقتصادي والثقافي والدبلوماسي بدأت تتآكل. وهذا ما نراه بوضوح في الحالة الأمريكية: تراجع الثقة العالمية بالدور الأمريكي، انكشاف ازدواجية المعايير، انهيار صورة “الوسيط النزيه”، وتحوّل واشنطن في وعي الشعوب إلى طرفٍ مباشر في الصراعات، لا ضابطًا لها.

من هنا، يمكن توصيف هذا الحشد بأنه الحشد الإمبراطوري الأخير، ليس لأنه الأخير زمنيًا بالضرورة، بل لأنه يمثل آخر أوراق القوة الفعالة المتبقية لدى الولايات المتحدة. فإما أن تنجح واشنطن، عبر هذا الاستعراض الخشن للقوة، في فرض لحظة خضوع إقليمي تُعيد من خلالها ترميم هيبتها المتصدعة، وإعادة تثبيت موقعها على عرش النظام الدولي، ولو مؤقتًا، وإما أن تفشل، فتدخل رسميًا طور الإمبراطورية السابقة، التي ما زالت تمتلك جيشًا ضخمًا، لكنها فقدت القدرة على فرض الإرادة.

التاريخ هنا لا يقدّم عزاءً لواشنطن. فالإمبراطوريات حين تصل إلى هذه المرحلة، غالبًا ما تكون قد تجاوزت نقطة اللاعودة. الإمبراطورية البريطانية، التي تُستحضَر كثيرًا في هذا السياق، لم تسقط فجأة، ولم تُهزم في معركة واحدة، لكنها انهارت عندما اكتشفت أن القوة العسكرية لم تعد كافية لإدارة عالمٍ تغيّرت معادلاته، وأن الشعوب التي خضعت سابقًا لم تعد تقبل بالهيمنة مهما كان ثمن المقاومة.

الولايات المتحدة اليوم تواجه معضلة مشابهة، وإن اختلفت الأدوات والسياقات. فهي تتحرك في بيئة دولية متعددة الأقطاب، تتقدم فيها قوى كبرى بهدوء، وتتشكل فيها شبكات مقاومة إقليمية لم تعد تعتمد على مركز واحد، ولا تخضع لمنطق الصدمة والردع التقليدي. وكلما بالغت واشنطن في استخدام القوة، كلما سرّعت، paradoxically، عملية التآكل الاستراتيجي لمكانتها.

أما إيران، التي يُقدَّم هذا الحشد على أنه موجَّه ضدها، فهي في الواقع جزء من مشهد أوسع. واشنطن لا تخشى إيران كدولة فقط، بل كنموذج لرفض الانصياع، وكحالة أظهرت أن الصبر الاستراتيجي والمراكمة الطويلة يمكن أن تُفرغا التفوق العسكري من مضمونه السياسي. ومن هنا، يصبح الهدف الحقيقي للحشد ليس ضرب إيران بقدر ما هو منع تعميم نموذجها، ومنع انتقال عدوى التحدي إلى فضاءات أخرى.

غير أن الرهان الأمريكي محفوف بالمخاطر. فالحشود العسكرية الضخمة قد تردع الخصوم، لكنها في الوقت ذاته تضغط على الحلفاء، وتضعهم أمام خيارات صعبة، وتكشف هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة. كما أنها تفتح الباب أمام أخطاء حسابية كارثية، حيث يمكن لأي شرارة صغيرة، أو سوء تقدير، أن يشعل مواجهة واسعة لا ترغب بها واشنطن أصلًا، لكنها تجد نفسها مندفعة إليها بفعل منطق القوة الذي اختارته.

في المحصلة، نحن أمام لحظة مفصلية: إما أن تنجح الولايات المتحدة في فرض معادلة إخضاع جديدة، تعيد من خلالها ضبط الإقليم تحت سقفها، وهو سيناريو يحمل كلفة أخلاقية وإنسانية وسياسية هائلة، وإما أن تفشل، فتتكرس صورتها كإمبراطورية سابقة، تمتلك فائض قوة، لكنها تفتقد الشرعية والقدرة على القيادة.

وفي كلتا الحالتين، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد حشد عسكري عابر، بل علامة على تحوّل عميق في بنية النظام الدولي، وعلى أن زمن السيطرة السلسة قد انتهى، وأن مرحلة الصدام المفتوح بين الإرادات باتت أقرب من أي وقت مضى، مهما حاولت الخطابات الدبلوماسية تجميل المشهد.

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com