NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

حسام الشاهد يكتب: استراتيجية “المقبرة”.. حين تتجاوز المنافسة قواعد السوق العقاري

محتوي الخبر

شهد السوق العقاري المصري خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة في أساليب المنافسة بين شركات التطوير، يمكن تلخيصها فيما بات يعرف بـ “استراتيجية المقبرة”. هذه الاستراتيجية تمثل نقلة نوعية في إدارة السوق، حيث تتحول المنافسة من كونها مجرد صراع على العملاء أو مشاريع محددة إلى صراع شامل على الحصص السوقية، تديره بعض الشركات بمنطق الحرب، بعيدًا عن قواعد العرض والطلب الطبيعية أو التحليل الاقتصادي العقلاني. ويعكس هذا التحول صراعًا بين المنطق الاقتصادي التقليدي ومنطق الهيمنة القصوى الذي تسعى بعض الشركات إلى فرضه على السوق.
تعتمد استراتيجية المقبرة على سلسلة من الإجراءات الدقيقة والممنهجة، تبدأ بتخفيض الأسعار بشكل مؤقت لجذب عملاء المنافسين وإضعاف قدرتهم على البيع، مرورًا بتكديس المشاريع في مناطق استراتيجية حيوية تجعل المنافسين عاجزين عن الاستمرار، وصولًا إلى استغلال النفوذ القانوني أو التقني لتأخير التراخيص أو خلق عوائق أمام المطورين الآخرين، مع الاعتماد على حملات تسويقية مكثفة تهدف إلى الهيمنة على وعي العملاء والمستثمرين. هذه الممارسات تؤدي إلى اضطراب آليات السوق بالكامل، حيث لا تعكس الأسعار الواقع الاقتصادي، بل تعكس استراتيجيات تنافسية قصيرة المدى تهدف إلى الإخضاع الكامل للمنافسين.
الأثر الاقتصادي لهذه الاستراتيجية واضح، فهو يخلق تقلبات حادة وغير متوقعة في الأسعار تجعل المستثمرين الأفراد في حالة مخاطرة مستمرة، فيما يجد المسوقون أنفسهم أمام تحديات غير تقليدية لإتمام الصفقات. وتؤدي هذه السياسات إلى تركز السوق في أيدي شركات محدودة، ما يقلل من فرص المنافسة ويضعف الابتكار، ويجعل المستثمرين يبحثون عن مبررات إضافية لتقييم المخاطر قبل أي استثمار. كما أن تمويل المشروعات يصبح أكثر تكلفة، لأن البنوك والمستثمرين لا يستطيعون تقدير المخاطر بشكل دقيق، والأسعار المعروضة لا تعكس الواقع الاقتصادي.
وليس التأثير اقتصاديًا فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، إذ يشعر المستثمرون والعملاء بعدم الأمان والثقة، حيث تصبح العروض المغرية لفترة قصيرة أو السياسات العدوانية جزءًا من لعبة غير متوازنة بين الشركات الكبرى والصغرى، مما يدفع الأفراد إلى التحفظ أو تأجيل الاستثمار، ويخلق شعورًا بعدم العدالة داخل السوق العقاري. هذا الشعور يؤدي إلى بطء دورة الاستثمار ويؤثر على استدامة نمو القطاع.
على المستوى التشريعي والتنظيمي، تكشف الممارسات المرتبطة باستراتيجية المقبرة عن ثغرات في الرقابة على السوق، ما يتيح للشركات الكبرى استخدام نفوذها القانوني أو التقني لصالحها، سواء من خلال التأخير في إصدار التراخيص، أو الهيمنة على الحملات الإعلانية، أو السيطرة على مناطق جغرافية استراتيجية. ويبرز هذا الدور كدعوة ملحة لإعادة النظر في قواعد المنافسة والشفافية، وتحسين الرقابة على السوق لضمان حماية المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.
من منظور فلسفي، يمكن النظر إلى استراتيجية المقبرة على أنها تجسيد لصراع القوة مقابل العقلانية الاقتصادية، حيث تختار بعض الشركات طريق الهيمنة الفورية على الربح والحصة السوقية، على حساب استدامة السوق وثقة المستثمرين. الأرض والعقارات تتحول إلى أدوات في لعبة البقاء للأقوى، وتتغير قواعد السوق إلى قواعد حرب، مما يضع كل الأطراف أمام تحديات جديدة ومعقدة.
لمواجهة هذه الظاهرة، يمكن تصور عدة محاور استراتيجية لإعادة التوازن للسوق، بدءًا من إصلاح التشريعات وتنظيم المنافسة ووضع قواعد واضحة تحدد حدود المنافسة العدوانية وتفرض شفافية في الأسعار والعروض، مرورًا بتقديم حوافز للمطورين الذين يلتزمون بالأسس الاقتصادية العقلانية ويبتعدون عن الأساليب العدوانية، وصولًا إلى توعية المستثمرين والسيلز لقراءة العروض بعين ناقدة وفهم تأثير الاستراتيجيات العدوانية قبل اتخاذ أي قرار استثماري. كما يمكن إنشاء منصة لمتابعة أداء الشركات الكبرى وتحليل تأثيرها على السوق والمنافسين، مع تعزيز الشفافية في الإعلان والتسويق لضمان المنافسة العادلة.
في النهاية، تكشف استراتيجية المقبرة عن تحديات حقيقية يواجهها السوق العقاري المصري، حيث تتحول المنافسة إلى صراع غير متوازن قد يضر بجميع الأطراف. النجاح المستقبلي للقطاع يتطلب مزج التحليل الاقتصادي العقلاني مع التنظيم الفعال والشفافية في إدارة المنافسة، وإلا ستستمر الخسائر في الثقة، وستضعف استدامة السوق على المدى الطويل. ووفقًا للدكتور أحمد أبو علي، الباحث والمحلل الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، فإن “السوق لا يمكن أن يُدار بمنطق الحرب وحده، بل يحتاج إلى قواعد واضحة وتحليل اقتصادي دقيق، وإلا ستنهار الثقة فيه وسيخسر الجميع، سواء الشركات الكبيرة أو المستثمرين الأفراد

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com