شهدت أسواق الطاقة العالمية اضطرابات حادة نتيجة التوترات الجيوسياسية في منطقة مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز على مستوى العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ارتفعت مخاطر تعطل الإمدادات، ما أدى إلى زيادة حادة في أسعار الطاقة عالميًا، وخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق، خاصة في ظل اعتماد عدد كبير من الدول على واردات الطاقة لتلبية احتياجاتها المحلية.

في مواجهة هذه الصدمة، لجأت الحكومات إلى تبني حزمة من الإجراءات العاجلة التي تستهدف في الأساس إدارة الطلب على الطاقة، بدلًا من الاعتماد فقط على زيادة المعروض الذي يتطلب وقتًا واستثمارات كبيرة. ومن أبرز هذه الإجراءات تقليص ساعات النشاط الاقتصادي، حيث تم إغلاق المحال التجارية والمطاعم في أوقات مبكرة، وهو ما ساهم في تقليل استهلاك الكهرباء والوقود في القطاعات الخدمية. كما تم فرض العمل عن بُعد في العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة، وهي سياسة أثبتت فعاليتها سابقًا خلال أزمة كوفيد-19، حيث ساهمت في خفض استهلاك الوقود المرتبط بالنقل وتقليل الضغط على شبكات الكهرباء داخل المدن.
وفي السياق ذاته، اتجهت بعض الحكومات إلى تقليص استهلاك الكهرباء في المؤسسات العامة وإبطاء تنفيذ المشروعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهو ما يعكس إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام في ظل الأزمة، بحيث يتم توجيه الموارد المحدودة نحو القطاعات الأكثر أهمية مثل الغذاء والصحة. هذه السياسات، رغم تأثيرها السلبي قصير الأجل على معدلات النمو، ساهمت في الحفاظ على استقرار منظومة الطاقة ومنع حدوث انقطاعات واسعة.

وقدمت باكستان نموذجًا واضحًا لهذه السياسات، حيث قررت إغلاق الأسواق والمطاعم بحلول الساعة التاسعة أو العاشرة مساءً، إلى جانب تقليص أسبوع العمل الحكومي إلى أربعة أيام فقط، مع تشغيل 50% من الموظفين بنظام الحضور الفعلي، وهو ما ساهم في تقليل استهلاك الكهرباء والوقود بشكل ملحوظ. إلا أن هذه الإجراءات جاءت على حساب النشاط الاقتصادي، خاصة في قطاعات التجزئة والخدمات، ما يعكس المفاضلة الصعبة بين استقرار الطاقة واستمرار النمو.
وفي دول جنوب آسيا مثل الهند وبنجلاديش، تم تطبيق سياسات أكثر صرامة، حيث تم تقنين استخدام الكهرباء من خلال حظر الإضاءة الزخرفية وتقليل ساعات العمل في المؤسسات الحكومية والبنوك، إلى جانب توجيه شركات التكرير لزيادة إنتاج غاز البترول المسال لتوفير بدائل للطاقة التقليدية. هذا التوجه يعكس محاولة تحقيق توازن بين خفض الطلب وزيادة المعروض في الوقت ذاته، لتجنب حدوث فجوة كبيرة في الطاقة.
على الجانب الآخر، لجأت بعض الدول إلى أدوات مالية لتخفيف أثر الأزمة، كما في إيطاليا، التي فرضت ضرائب إضافية على الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة، في محاولة لإعادة توزيع مكاسب الأزمة وتقليل العبء على المستهلكين، بالتوازي مع زيادة دعم الوقود. وفي كل من ماليزيا وتنزانيا، تم التركيز على إدارة المخزون الاستراتيجي للطاقة، من خلال تنويع مصادر الاستيراد وتفعيل استخدام الاحتياطيات، وهو ما ساهم في تعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
أما اليابان، فقد اضطرت إلى اتخاذ قرار اقتصادي صعب بالعودة إلى استخدام الفحم كمصدر بديل للطاقة، في ظل نقص إمدادات الغاز الطبيعي، وهو ما يعكس أولوية تأمين الإمدادات حتى على حساب الاعتبارات البيئية مؤقتًا. ويبرز هذا التوجه كيف يمكن للأزمات أن تعيد تشكيل سياسات الطاقة حتى في الدول المتقدمة التي تتبنى استراتيجيات للتحول الأخضر.


