NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د. ياسمين جمال تكتب: قيادة الأطفال للسيارات.. كيف نواجه الظاهرة قبل أن تتحول إلى كارثة؟

محتوي الخبر

أعادت الواقعة الأخيرة المتداولة في منطقة حدائق الأهرام، والتي ارتبطت بقيادة طفل لسيارة وما نتج عنها من حالة واسعة من الجدل، تسليط الضوء على واحدة من الظواهر الخطيرة التي تتكرر من وقت لآخر، وهي السماح للأطفال أو صغار السن بقيادة السيارات قبل السن القانونية ودون امتلاك المهارات أو الوعي الكافي للتعامل مع الطريق.

ورغم أن كثيرًا من الأسر قد تنظر إلى الأمر باعتباره نوعًا من التسلية أو وسيلة لإرضاء الأبناء أو استعراض مهاراتهم، فإن الواقع يؤكد أن قيادة السيارة ليست مجرد تجربة عابرة أو لعبة يمكن ممارستها بدافع الفضول، بل مسؤولية كبيرة ترتبط بشكل مباشر بحياة الإنسان وسلامته وسلامة الآخرين.

وفي الحقيقة، لا تكمن خطورة الظاهرة في مخالفة القانون فقط، وإنما في تجاهل الخصائص النفسية والعقلية للأطفال. فالطفل، مهما بدا ذكيًا أو قادرًا على التحكم في السيارة، لا يمتلك بعد النضج الكافي لاتخاذ القرارات السريعة التي تتطلبها مواقف الطريق المفاجئة. كما أن قدرته على تقدير المخاطر تختلف بشكل كبير عن الشخص البالغ، وهو ما يجعله أكثر عرضة للاندفاع أو سوء التقدير.

ومن ناحية أخرى، يمر الأطفال والمراهقون بمراحل عمرية تتسم بحب التجربة وإثبات الذات والبحث عن التقدير من المحيطين بهم. وعندما يجد الطفل تشجيعًا أو إعجابًا من الكبار بسبب قيادته للسيارة، فقد يفسر ذلك على أنه سلوك مقبول أو دليل على النضج، بينما هو في الحقيقة سلوك يحمل مخاطر كبيرة قد لا يدركها بالكامل.

كما تلعب مواقع التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تعزيز بعض هذه السلوكيات، حيث تنتشر أحيانًا مقاطع مصورة لأطفال يقودون سيارات أو مركبات مختلفة وسط تعليقات تشجيعية وإعجاب من المتابعين. ومع التكرار، قد يتحول الأمر إلى نموذج يسعى بعض الأطفال إلى تقليده من أجل لفت الانتباه أو الشعور بالتميز.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة. فالأبناء يتعلمون من سلوك الكبار أكثر مما يتعلمون من النصائح المباشرة.

وعندما يلتزم الوالدان بقواعد المرور ويحترمان القانون، فإن هذه القيم تنتقل بشكل طبيعي إلى الأبناء. أما التساهل مع قيادة الأطفال للسيارات أو اعتبارها أمرًا عاديًا، فقد يرسخ لديهم مفاهيم خاطئة حول المسؤولية والسلامة.

كذلك، يحتاج الأطفال إلى فهم أسباب المنع، لا مجرد الامتثال له. فالتوعية بخطورة القيادة المبكرة وتأثيرها المحتمل على حياتهم وحياة الآخرين تعد أكثر فاعلية من الاكتفاء بالرفض أو العقاب. فالطفل الذي يدرك حجم المسؤولية المرتبطة بقيادة السيارة يكون أكثر قدرة على تقبل القواعد والالتزام بها.

ومن جهة أخرى، تلعب المدرسة والمؤسسات التربوية دورًا مهمًا في تعزيز ثقافة السلامة المرورية منذ الصغر. فغرس مفاهيم احترام القانون، والحفاظ على الأرواح، وتحمل المسؤولية المجتمعية، يسهم في بناء جيل أكثر وعيًا بمخاطر السلوكيات غير الآمنة.

كما أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية لا تقل أهمية، من خلال تقديم رسائل توعوية تركز على خطورة هذه الممارسات، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مواقف طريفة أو مثيرة للانتباه. فالإعلام قادر على تشكيل الاتجاهات المجتمعية، وتعزيز ثقافة الوقاية قبل وقوع الحوادث.

ومن ناحية أخرى، ينبغي أن ندرك أن الوقاية لا تبدأ بعد وقوع الحوادث، بل قبلها بسنوات، من خلال التربية على المسؤولية واحترام القواعد وفهم عواقب السلوكيات الخطرة. فكل حادثة من هذا النوع تذكرنا بأن التساهل في بعض الأمور قد تكون له نتائج لا يمكن تداركها.

لذا، فإن قضية قيادة الأطفال للسيارات ليست مجرد مخالفة مرورية، بل قضية تربوية ومجتمعية تتعلق بحماية الأبناء وحماية المجتمع بأكمله. فالأطفال يحتاجون إلى التوجيه والاحتواء والتوعية، لا إلى تعريضهم لمواقف تفوق قدراتهم أو تحملهم مسؤوليات لم يحن وقتها بعد.

فالحب الحقيقي للأبناء لا يكون بالسماح لهم بكل ما يريدون، بل بحمايتهم مما قد يعرّض حياتهم أو حياة الآخرين للخطر.
وما بين لحظة إعجاب عابرة وقرار غير محسوب، قد تكون هناك حياة كاملة تستحق أن نحافظ عليها.

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com