NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د. ياسمين جمال تكتب: ليس كل نجاح يبدأ من كليات القمة.. دعوا أبناءكم يختارون مستقبلهم

محتوي الخبر

مع إعلان نتائج الثانوية العامة وبدء مرحلة تنسيق الجامعات، تعيش آلاف الأسر المصرية حالة من الحيرة والقلق، ليس فقط بسبب اختيار الكلية المناسبة، ولكن أيضًا بسبب الصراع الذي قد ينشأ بين رغبة الأبناء وتطلعات أولياء الأمور. فبين حلم الطالب، وتوقعات الأسرة، قد تضيع الفرصة في اتخاذ القرار الذي يناسب قدرات الشاب أو الفتاة ويحقق طموحهما الحقيقي.

ولا شك أن حرص أولياء الأمور على مستقبل أبنائهم نابع من الحب والخوف والرغبة في تأمين حياة أفضل لهم، إلا أن هذا الحرص قد يتحول أحيانًا إلى ضغط نفسي كبير عندما يصبح الالتحاق بما يُعرف بـ”كليات القمة” هو المعيار الوحيد للنجاح، وكأن قيمة الطالب تتحدد باسم الكلية التي سيدخلها، وليس بقدراته أو اجتهاده أو شغفه.

والحقيقة أن مفهوم النجاح تغيّر كثيرًا خلال السنوات الأخيرة. فلم يعد سوق العمل يعتمد فقط على نوع الكلية، بل أصبح يبحث عن المهارات، والإبداع، والقدرة على التعلم المستمر، وإتقان اللغات، واستخدام التكنولوجيا، والعمل الجماعي. لذلك، قد يتفوق طالب يدرس في كلية تتوافق مع ميوله على آخر التحق بكلية مرموقة دون رغبة حقيقية، ففقد شغفه وأصبح يدرس فقط لإرضاء الآخرين.

ومن هنا، فإن منح الأبناء مساحة للمشاركة في اختيار مستقبلهم ليس نوعًا من التهاون، بل هو خطوة تربوية تعزز لديهم الشعور بالمسؤولية والاستقلالية والثقة بالنفس. فالطالب هو من سيقضي سنوات الدراسة داخل هذه الكلية، وهو من سيعمل في هذا المجال بعد التخرج، ولذلك من الطبيعي أن يكون صوته حاضرًا في القرار، لا أن يكون مجرد منفذ لرغبات الآخرين.

كما أن إجبار الطالب على دراسة تخصص لا يحبه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل ضعف الدافعية للتعلم، أو انخفاض المستوى الدراسي، أو الشعور المستمر بعدم الرضا، وقد يصل الأمر ببعض الشباب إلى تغيير مسارهم المهني بالكامل بعد سنوات من الدراسة، ليعودوا إلى المجال الذي كانوا يرغبون فيه منذ البداية.


ولا يقل تأثير الضغط النفسي عن ذلك، فبعض الطلاب يشعرون بأنهم خذلوا أسرهم إذا لم يتمكنوا من الالتحاق بكلية معينة، رغم أنهم بذلوا أقصى ما لديهم. وهنا يصبح المجموع الدراسي عبئًا نفسيًا، بدلًا من أن يكون بداية لمرحلة جديدة من التعلم واكتشاف الذات.

وفي المقابل، يحتاج الأبناء إلى توجيه الأسرة وخبرتها، ولكن التوجيه يختلف عن الفرض. فدور ولي الأمر هو أن يساعد ابنه أو ابنته على التعرف إلى مميزات كل كلية، وفرص العمل المتاحة، ومتطلبات كل تخصص، ثم يترك له مساحة للتفكير والمفاضلة واتخاذ القرار عن اقتناع، مع استمرار الدعم أيًا كان الاختيار.

كما أن المجتمع بحاجة إلى تغيير نظرته لبعض التخصصات، فكل المهن لها دورها في بناء الوطن، ولا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بمجموعة محددة من التخصصات فقط. فكما نحتاج إلى الطبيب والمهندس، نحتاج أيضًا إلى المعلم، والإعلامي، والمبرمج، والمحاسب، والباحث، والفنان، وغيرهم من أصحاب المهن المختلفة، لأن التنمية الحقيقية تقوم على التكامل، لا على تفضيل مهنة على أخرى.

ولعل من المهم أيضًا أن نغرس في أبنائنا أن النجاح ليس اسم كلية يُكتب في بطاقة التعارف، وإنما رحلة طويلة من الاجتهاد، والتطوير المستمر، واستثمار الفرص. فكثير من النماذج الناجحة في مختلف المجالات لم تكن بدايتها من الكليات التي اعتاد المجتمع وصفها بـ”كليات القمة”، بل صنعت نجاحها بالإصرار والعمل والتعلم المستمر.

لذا، فإن أفضل هدية يمكن أن يقدمها الآباء لأبنائهم في هذه المرحلة هي الثقة. ثقة في قدراتهم، واحترام لاختياراتهم، وإيمان بأن الإنسان يبدع عندما يعمل فيما يحب. فالمستقبل لا تصنعه أسماء الكليات وحدها، بل تصنعه العقول التي تؤمن بنفسها، والقلوب التي تعمل بشغف، والأسر التي تدرك أن دورها هو الدعم والتوجيه، لا فرض الأحلام.

فلنترك لأبنائنا حق اختيار الطريق الذي يناسبهم، ولنتذكر دائمًا أن النجاح الحقيقي لا يبدأ من بوابة كلية بعينها، بل يبدأ من إنسان وجد نفسه في المكان الذي يحب، فاجتهد فيه، وأبدع، وحقق أثرًا في مجتمعه.

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com