قال الدكتور أحمد صقر، رئيس مجلس إدارة شركة SDC للاستثمار وإدارة الأصول العقارية والرئيس التنفيذي لمنصة «فريدة» للتكنولوجيا العقارية، إن السوق العقاري المصري يمر بمرحلة تتطلب الانتقال من التركيز على معدلات البيع فقط إلى النظر بصورة أوسع إلى كفاءة دورة رأس المال وحركة السيولة داخل القطاع، مؤكدًا أن أحد أبرز التحديات الحالية يتمثل في وجود أصول عقارية مجمدة لا تتحرك بالكفاءة الاقتصادية المطلوبة.
وأوضح صقر أن جذور جانب من هذه المشكلة تعود إلى التحولات الحادة التي شهدها السوق منذ بداية عام 2023، عندما دخلت السوق في حالة استثنائية من القلق وعدم اليقين، تزامنت مع مخاوف واسعة بشأن سعر الصرف والتضخم ومستويات الأسعار المستقبلية، وهو ما انعكس على سلوك كل من المطور والمشتري.
وأشار إلى أن المطورين، في ظل حالة عدم اليقين، لجأوا إلى قدر أكبر من التحوط في تسعير الوحدات، بينما اتجه قطاع من المشترين إلى الاستثمار العقاري باعتباره ملاذًا لحماية المدخرات، مدفوعين بالخوف من تراجع القوة الشرائية للأموال أكثر من ارتباط قرار الشراء بالاحتياج الفعلي إلى الوحدة أو القدرة على تحمل التزاماتها المستقبلية.
وأضاف أن تلك الفترة شهدت ارتفاعًا في عمليات شراء عقارات لم يكن بعضها متناسبًا بالضرورة مع احتياجات المشترين أو قدراتهم المالية، وهو ما أدى بمرور الوقت إلى ظهور شريحة من الوحدات التي تحولت من أدوات لحفظ القيمة إلى التزامات يصعب على أصحابها الاستمرار فيها أو إعادة توظيفها.
الأصول المجمدة.. المشكلة التي لا تظهر كاملة في أرقام المبيعات
وأكد صقر أن خطورة هذه الظاهرة تتمثل في أنها لا تظهر بالكامل في مؤشرات المبيعات التقليدية، لأن الوحدة قد تكون مباعة بالفعل، لكنها في الوقت نفسه لا تعمل اقتصاديًا بالصورة المثلى.
وأوضح أن الأصل العقاري قد يكون مسجلًا باسم مالكه وله قيمة سوقية، لكنه يظل خارج دورة الاستخدام أو الاستثمار أو التداول لفترات طويلة، سواء بسبب تعثر المالك في سداد التزاماته، أو عدم ملاءمة الوحدة لاحتياجاته، أو صعوبة الوصول إلى مشترٍ نهائي قادر على اقتناصها في التوقيت والسعر المناسبين.
ووصف هذه الحالة بأنها أشبه بـ«جلطة» داخل الدورة الاقتصادية للعقار؛ فالسيولة موجودة في الأصل، لكن الوصول إليها أصبح أكثر صعوبة، والأصل نفسه موجود، لكن قدرته على إنتاج القيمة أصبحت محدودة.
وأشار إلى أن استمرار هذه الأصول في حالة الجمود لفترات طويلة يرفع تكلفة المشكلة على السوق ككل، لأن العقار ليس مجرد منتج يتم بيعه مرة واحدة، وإنما جزء من منظومة اقتصادية متكاملة تشمل التمويل والتطوير والتشغيل والتأجير وإدارة الأصول وإعادة البيع.
تسييل أصول المتعثرين قد يكون بداية العلاج
وقال صقر إن النماذج الجديدة التي تستهدف إعادة بيع أو تسييل أصول المتعثرين يمكن أن تمثل فرصة مهمة لإعادة جزء من هذه الوحدات إلى الدورة الاقتصادية، بشرط أن تتم العملية من خلال آليات منظمة تضمن وصول الأصل إلى مستخدم نهائي أو مستثمر لديه احتياج حقيقي وقدرة مالية واضحة.
وأضاف أن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد نقل الملكية من متعثر إلى مشترٍ جديد، وإنما إعادة اكتشاف القيمة الاقتصادية للأصل وإدخاله مرة أخرى في دورة التداول والاستخدام.
وأكد أن شركات التطوير والتسويق وإدارة الأصول والتكنولوجيا العقارية لديها مصلحة مشتركة في نجاح هذا المسار، لأن وجود آلاف الوحدات التي يصعب على أصحابها تسييلها لا يمثل مشكلة فردية، وإنما أحد العوامل التي تضغط على كفاءة السوق والسيولة داخله.
وأوضح أن إعادة تدوير هذه الأصول بصورة منظمة يمكن أن تحقق استفادة مزدوجة؛ فمن ناحية تمنح المتعثر فرصة للخروج من التزام أصبح يمثل عبئًا عليه، ومن ناحية أخرى تتيح لمستخدم نهائي أو مستثمر جديد الحصول على أصل بسعر وآلية تتناسب مع احتياجاته، بما يعيد الأموال إلى الحركة بدلًا من بقائها محبوسة داخل أصول غير مستغلة بكفاءة.
السيولة هي شريان السوق العقاري
وشدد صقر على أن أهمية معالجة هذه الظاهرة ترتبط كذلك بالدور المحوري لقطاع التشييد والعقار في الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن القطاع لا يمثل مجرد سوق لبيع وشراء الوحدات، وإنما يرتبط بسلاسل واسعة من الأنشطة وفرص العمل والاستثمارات.
وأشار إلى أن قطاع التشييد يتميز بقدرته على خلق فرص عمل واسعة وسريعة، بما يجعله أحد القطاعات المهمة في دعم النشاط الاقتصادي، خصوصًا في ظل الظروف التي تتسم بارتفاع الأسعار وتحديات السيولة وتباطؤ الطلب في عدد من القطاعات.
وأضاف أن السوق المصري يواجه ضغوطًا تتسم بتداخل التضخم مع ضعف نسبي في الطلب والسيولة، وهو ما يجعل إعادة تنشيط دورة الأموال داخل الاقتصاد أكثر أهمية من الاكتفاء بمحاولات دفع المبيعات قصيرة الأجل.
وأوضح أن العقار لا يمكن عزله عن الحالة العامة للاقتصاد، فإذا كانت السيولة تتحرك ببطء في الاقتصاد ككل، فمن الطبيعي أن يتأثر القطاع العقاري، ومن ثم فإن الحل المستدام يجب أن يستهدف تحسين كفاءة حركة رأس المال والأصول، وليس فقط زيادة حجم المعروض أو تقديم حوافز بيعية مؤقتة.
التكنولوجيا من التسويق إلى إعادة هندسة السوق
ويرى صقر أن التكنولوجيا العقارية يمكن أن تلعب دورًا أكثر عمقًا من مجرد توفير منصات للإعلان عن الوحدات، إذ يمكنها أن تصبح أداة لإعادة تنظيم العلاقة بين الأصل والمستثمر والمستخدم النهائي.
وأوضح أن التكنولوجيا يمكن أن تخلق مسارات أكثر كفاءة لخروج المتعثرين، من خلال بناء قواعد بيانات أفضل للأصول، وتحليل الأسعار والطلب، وربط الوحدات بالمستخدمين الأكثر احتياجًا لها، بما يساعد على تقليل الوقت والتكلفة اللازمين لإعادة تداول الأصل.
وأضاف أن الملكية التشاركية تمثل أحد النماذج التي يمكن أن توسع قاعدة الاستثمار العقاري أمام شرائح لم تكن قادرة على الدخول إلى بعض أنواع الأصول، من خلال توزيع قيمة الأصل بين عدد أكبر من المستثمرين وتنظيم الملكية والاستثمار بصورة أكثر كفاءة.
وأشار إلى أن هذا النموذج يمكن أن يتكامل مع الصناديق والهياكل الاستثمارية الحديثة، بما يتيح عدالة أكبر في الوصول إلى الفرص الاستثمارية، ويحول الاستثمار العقاري تدريجيًا من سوق يعتمد بصورة أساسية على القدرة الفردية على شراء وحدة كاملة إلى منظومة استثمارية أكثر تنوعًا ومرونة.
إدارة الأصل لا تقل أهمية عن بيعه
وأكد صقر أن المرحلة المقبلة تحتاج كذلك إلى إعادة النظر في مفهوم إدارة الأصول العقارية، موضحًا أن امتلاك العقار وحده لا يضمن تحقيق أعلى قيمة اقتصادية منه.
وأشار إلى أن التكنولوجيا تستطيع تحسين كفاءة إدارة الأصول ورفع معدلات تشغيلها وتحويلها من وحدات ساكنة إلى أصول منتجة للقيمة، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في القطاعات الفندقية والسياحية التي تحتاج إلى زيادة كفاءة الأصول القائمة وتعظيم قدرتها على توليد عوائد.
وأضاف أن تحسين إدارة الأصول وتداولها وتوثيق بياناتها وتسلسل ملكيتها يمكن أن يرفع من مستوى الشفافية والثقة في السوق، ويجعل الأصول العقارية المصرية أكثر قابلية للاستثمار المؤسسي، فضلًا عن تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
المعركة الحقيقية هي مع جمود السوق
وذكر صقر أن التحدي الحقيقي أمام القطاع العقاري لا يتمثل في نجاح طرف على حساب طرف آخر، وإنما في قدرة المنظومة بأكملها على الحفاظ على دورة رأس المال وتحويل الأصول من مجرد مخازن للقيمة إلى أدوات منتجة للنشاط الاقتصادي.
وأوضح أن المرحلة الحالية تحتاج إلى التركيز على الحلول التي تعالج جذور المشكلة، وليس الدخول في صراعات جانبية أو التعامل مع كل فكرة جديدة باعتبارها تهديدًا لنموذج قائم، مؤكدًا أن تطور الأسواق يرتبط دائمًا بقدرتها على استيعاب أدوات جديدة وإعادة تنظيم نفسها عندما تتغير الظروف.
وقال إن «إذابة الأصول المجمدة» ليست مجرد عملية بيع، وإنما هي في جوهرها عملية لإعادة السيولة إلى الدورة الاقتصادية، وإعادة الأصل إلى وظيفته الطبيعية كوسيلة للاستخدام والاستثمار وتوليد القيمة.
واختتمً صقر بأن التكنولوجيا، إذا تم توظيفها بصورة صحيحة، يمكن أن تكون إحدى أهم الأدوات التي تساعد السوق العقاري المصري على تجاوز آثار المرحلة الاستثنائية التي مر بها، من خلال خلق أسواق أكثر كفاءة، ومسارات خروج أكثر وضوحًا، ونماذج استثمار أكثر تنوعًا، وإدارة أفضل للأصول، بما يدعم قدرة القطاع على استعادة توازنه والنمو على أسس أكثر استدامة.


