تحظي أعمال استديو “جيبلي” الياباني بشهرة واسعة حول العالم، ليس فقط بفضل أسلوبه البصري المميز، وإنما لما تقدمه أفلامه من عوالم تجمع بين الاساطير والطبيعة والمشاعر الإنسانية. وقد شكل فوز فيلم “المخطوفة” (Spirited Away) بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة عام 2003 محطة بارزة في الحضور العالمي للاستديو والرسوم المتحركة اليابانية، قبل أن يكرر الاستديو الإنجاز بعد أكثر من عقدين بفوز فيلم “الصبي ومالك الحزين” (The Boy and the Heron) بالجائزة نفسها عام 2024.
كلية الفنون الرقمية والتصميم
هذا العالم السحري لاستديو جيبلي الياباني الذي تأسس عام 1985، كان مصدر الهام الباحثة فاطمة الزهراء حسن عبد الجليل قاسم المعيدة بكلية الفنون الرقمية والتصميم جامعة مصر للمعلوماتية، التي حصلت على درجة الماجستير عن اطروحتها “دراسة تحليلية لأعمال التحريك في أستديو جيبلي” والتي أشرف عليها وناقشها أ.د. أشرف عبد الفتاح أستاذ الرسوم المتحركة بقسم الجرافيك كلية الفنون الجميلة جامعة العاصمة وا.د. ثريا صبيح الأستاذ بقسم الجرافيك كلية الفنون الجميلة جامعة العاصمة ومنسق برنامج الرسوم المتحركة والوسائط المتعددة جامعة حلوان الأهلية وأ.م.د. معتز الشحري الأستاذ المساعد ورئيس قسم الرسوم المتحركة المعهد العالي للسينما، ود. إيهاب أحمد كشكوشة المدرس بكلية الفنون الرقمية والتصميم بجامعة مصر للمعلوماتية.
صناعة الرسوم المتحركة المصرية
وبداية اكدت الباحثة فاطمة الزهراء حسن ان ” استديو جيبلي” يعد حالة فنية وإنسانية تجمع بين الهوية اليابانية، والسرد العاطفي، والتحريك اليدوي، والتفاصيل التي تجعل الصورة قادرة على أن تلمس عقل وقلب المشاهد، مشيرة الي ان رسالتها تدعوا للاستفادة من هذه التجربة الثرية ومن الإرث الحضاري المصري لتطوير صناعة الرسوم المتحركة المصرية خاصة ان تراثنا يذخر بقصص العديد من الابطال الشعبيين والاهم بجمال فريد تمثله اثارنا العريقة الفرعونية والاغريقية والرومانية والقبطية والإسلامية وأيضا ما نمتلكه من مناظر طبيعية خلابة سواء في الريف المصري او حتي في الصحراء وجبال سيناء.
وقالت إن اطروحتها محاولة لفهم ما وراء الصورة الجميلة في أفلام استوديو “جيبلي”، فهي لا تعتمد فقط على جمال الخلفيات أو نعومة الحركة، لكنها تبني تجربة كاملة يشعر فيها المشاهد أن المكان حي، وأن الشخصية حقيقية، وأن التفاصيل الصغيرة لها معنى، وهو ما تناولته الدراسة بالتحليل خاصة الجوانب الفنية والفلسفية بهذه الافلام وكل ما يتعلق بالفولكلور الياباني، من المعتقدات الروحية، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، والقيم الإنسانية والبيئية التي تظهر بوضوح داخل أفلامه، مع رصد دلالات التحريك اليدوي في تجربة “جيبلي”، فهو ليس فقط أسلوبًا تقليديًا، ولكن كاختيار فني يحمل حسًا إنسانيًا واضحًا، ويخلق علاقة أعمق بين الشخصية والمشاهد، وهو ما ساعد الاستوديو في تحوّيل الرسوم المتحركة من مجرد وسيلة ترفيهية إلى تجربة فنية وثقافية وإنسانية مؤثرة علي كثير من شعوب العالم.
وأضافت ان رسالتها تناولت بدايات نشأة استوديو “جيبلي”، والخلفية التي تشكلت منها الرؤية الفنية لهاياو ميازاكي وإيساو تاكاهاتا مؤسسا الاستديو، مرورا بدراسة الهوية الثقافية والفكرية في أفلام “جيبلي”، وهي عناصر متكررة مثل علاقة الإنسان بالطبيعة، الفولكلور الياباني، المعتقدات الدينية، نقد الحرب، نقد الاستهلاكية، اعلاء قيمة الروابط الأسرية، الحنين للماضي، والبحث عن الذات، بجانب تحليل الجانب البصري في تلك الأعمال، بداية من تصميم الشخصيات، وحركتها، وتعبيراتها، وصولًا إلى الخلفيات، والرموز، والبيئات المعمارية، وبناء العوالم والعملية الإنتاجية نفسها؛ من القصة المصورة Storyboard، إلى التحريك اليدوي، والتلوين، والتركيب، والصوت، والموسيقى، والمراجعة النهائية. وذلك لفهم كيف تتجمع هذه المراحل كلها لتصنع إحساسًا واحدًا داخل الفيلم.
وأوضحت انه بجانب الدراسة النظرية، اعدت تجربة بحثية تطبيقية في شكل معرض صغير لعرض لوحات يدوية بالألوان المائية، ولوحات رقمية، إلى جانب اسكتشات ومراحل تنفيذ توضّح تطور العمل من الفكرة الأولى إلى الصورة النهائية، وهي اعمال فنية لخلفيات مستوحاة من روح استوديو “جيبلي”.
روح مصرية وسياق مصري
وأشارت الي أن الهدف لم يكن تقليد “جيبلي” أو استنساخه لكن محاولة فهم روحه البصرية: الضوء، الهدوء، الطبيعة، الدفء، الجو العام، والتفاصيل الصغيرة، ثم إعادة توظيف هذه العناصر في سياق قصصي وبيئة ثقافية مختلفة دون فقدان روح الاستوديو.
واضافت ان بعض لوحات المعرض أدخلت فيها روح مصرية وسياق مصري، خصوصًا في الخلفيات المرتبطة بالطبيعة والريف، بحيث تنتقل روح “جيبلي” الهادئة إلى بيئة مختلفة، من غير ما تتحول التجربة إلى استنساخ مباشر. وبذلك تجمع الرسالة بين التحليل الأكاديمي والتجربة الفنية. فهي لا تكتفي بأن تقول إن أفلام “جيبلي” جميلة، لكنها تحاول أن تفهم لماذا تبدو كذلك، وكيف استطاعت هذه الجماليات أن تترك أثرًا إنسانيًا عميقًا عند جمهور من ثقافات مختلفة.


