NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د. أحمد جلال يكتب: لحوم الدواجن وصحة الإنسان.. بين الحقيقة العلمية والشائعات

محتوي الخبر

يحتل لحم الدواجن مكانة مهمة في غذاء الإنسان، ليس فقط لأنه مصدر للبروتين الحيواني عالي الجودة، وإنما لأنه يمثل أحد أكثر مصادر البروتين الحيواني انتشارًا في العالم. ومع ذلك، فقد ارتبط استهلاكه خلال السنوات الأخيرة بعدد من الشائعات، من بينها الادعاء بأن الدجاج الأبيض يسبب السرطان، أو أن سرعة نمو دجاج التسمين تعني بالضرورة أن لحمه ضار بصحة الإنسان. والعلم هنا يفرض علينا أن نفرق بين الحقيقة المثبتة، والاحتمال العلمي، والشائعة التي لا تستند إلى دليل كافٍ.

أولًا: القيمة الغذائية للحوم الدواجن

يوفر لحم الدجاج بروتينًا ذا قيمة غذائية مرتفعة، كما يحتوي على مجموعة من العناصر الغذائية المهمة، ومنها فيتامينات مجموعة B وبعض المعادن. وتختلف القيمة الغذائية باختلاف الجزء المستهلك، ووجود الجلد، وطريقة الطهي.

لذلك فإن السؤال العلمي ليس: «هل الدجاج صحي أم ضار؟» وإنما: أي نوع من الدواجن؟ وبأي كمية؟ وكيف تمت تربيته وتجهيزه وطهيه؟ وما موقعه داخل النظام الغذائي الكامل للإنسان؟

ثانيًا: هل الدجاج الأبيض يسبب السرطان؟

هذه من أكثر الشائعات التي تحتاج إلى تصحيح.

لا توجد قاعدة علمية تقول إن لحم الدجاج الأبيض الطازج يسبب السرطان لمجرد أنه دجاج أبيض أو سريع النمو.

كما أن تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان للحوم الحمراء واللحوم المُصنَّعة لا يعني أن الدواجن الطازجة مصنفة بالطريقة نفسها. فقد خلصت الوكالة إلى وجود أدلة كافية على تسبب اللحوم المُصنَّعة في سرطان القول والمستقيم، وأدلة محدودة على أن اللحوم الحمراء «محتمل أن تكون مسرطنة»؛ وهذه التصنيفات لا تعني أن جميع أنواع اللحوم متساوية في الخطر.

ومن المهم أيضًا الانتباه إلى أن بعض المنتجات المصنفة «لحومًا مُصنَّعة» قد تحتوي على الدواجن إذا خضعت لعمليات مثل التمليح أو التدخين أو المعالجة، وبالتالي لا ينبغي الخلط بين الدجاج الطازج وبين منتجات الدواجن المُصنَّعة.

ثالثًا: أين تكمن المخاطر الحقيقية؟

أحد أهم المخاطر المرتبطة بلحوم الدواجن هو سلامة الغذاء.

يمكن أن تحمل الدواجن النيئة بكتيريا ممرضة، ومن أهمها Campylobacter وSalmonella. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن لحم الدجاج يمثل أحد المركبات الغذائية المهمة في انتقال هذه المسببات، وأن التحكم فيها يبدأ من المزرعة وسلسلة الإنتاج ويمتد إلى الذبح والتجهيز والمطبخ.

ولهذا فإن الأمن الحيوي في المزرعة، وجودة مياه الشرب والعلف، والنظافة أثناء الذبح والتجهيز، وسلسلة التبريد، والتداول الآمن في المنزل، كلها حلقات متصلة في حماية صحة المستهلك.

رابعًا: الطهي جزء من منظومة الأمان

لا يكفي أن تكون الدواجن سليمة عند خروجها من المزرعة؛ بل يجب التعامل معها بطريقة صحيحة حتى تصل إلى المستهلك بصورة آمنة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الطهي الجيد قادر على القضاء على Campylobacter، كما توصي الجهات المختصة بسلامة الغذاء بالطهي الكافي للدواجن ومنع انتقال عصارتها النيئة إلى الأطعمة الجاهزة للأكل. (World Health Organization⁠)

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين خطر الغذاء نفسه وخطر طريقة التعامل معه.

خامسًا: هل طريقة الطهي يمكن أن تغير الصورة؟

نعم.

فالحرارة العالية جدًا أثناء بعض طرق الطهي قد تؤدي إلى تكوين مركبات مثل الأمينات الحلقية غير المتجانسة والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وتزداد أهمية هذه المسألة مع الإفراط في الشواء أو القلي أو تعرض اللحم للاحتراق. وقد ناقشت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان هذه المركبات ضمن تقييمها لطهي اللحوم. (IARC Publications⁠)

لذلك لا ينبغي أن تكون الرسالة الصحية:

«الدجاج ضار»

ولا:

«الدجاج مفيد دائمًا مهما كانت طريقة تناوله»

بل الرسالة الأدق هي:

«نوع الغذاء، والكمية، وطريقة التجهيز، وطريقة الطهي، وسلامة التداول، كلها تحدد الأثر الصحي النهائي.»

سادسًا: ماذا عن المضادات الحيوية؟

من المهم أيضًا عدم الخلط بين استخدام المضادات الحيوية في الإنتاج الحيواني وبين وجود بقايا دوائية ضارة في كل قطعة دجاج تصل إلى المستهلك.

الرقابة على الأدوية البيطرية وفترات السحب والالتزام بالتشريعات من العناصر الأساسية لضمان سلامة المنتجات الحيوانية. وفي المقابل، فإن الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية في الحيوانات يمثل قضية مهمة من منظور مقاومة مضادات الميكروبات؛ وهي قضية تتجاوز قطعة اللحم نفسها إلى صحة الإنسان والحيوان والبيئة معًا.

وهنا يظهر مفهوم One Health – الصحة الواحدة: صحة الإنسان والحيوان والبيئة ليست جزرًا منفصلة، وإنما منظومة واحدة.

سابعًا: الدجاج بين الغذاء والأمن الغذائي

يمتلك قطاع الدواجن أهمية تتجاوز مجرد توفير اللحوم؛ فهو أحد المكونات الأساسية للأمن الغذائي، ويوفر بروتينًا حيوانيًا يمكن إنتاجه بكفاءة نسبية مقارنة ببعض الأنظمة الأخرى.

ومن ثم فإن تطوير صناعة الدواجن يجب أن يسير في ثلاثة اتجاهات متوازية:

طائر سليم → منتج آمن → مستهلك سليم.

وهذه المعادلة تبدأ من الوراثة والتغذية والمناعة والأمن الحيوي، ولا تنتهي إلا عند مائدة الإنسان.

ثامنًا: مناعة الطائر وصحة الإنسان

وهنا تبرز العلاقة العميقة بين موضوع هذا الكتاب، «المناعة الوراثية في الدواجن»، وصحة الإنسان.

فالطائر الذي يتمتع بصحة جيدة ومناعة فعالة، ويُربى في ظروف جيدة، ويخضع لبرامج مناسبة للأمن الحيوي والتغذية والإدارة، يمثل جزءًا من منظومة إنتاج الغذاء الآمن.

ومن هنا يمكن أن ننتقل من مفهوم تقليدي يقول:

«نربي الدجاج من أجل إنتاج اللحم»

إلى مفهوم أكثر شمولًا:

«نبني نظامًا حيويًا متكاملًا لإنتاج غذاء آمن ومستدام وصحي للإنسان.»

الخلاصة

ليس من المنهج العلمي أن نُدين لحوم الدواجن بكاملها بسبب بعض المخاطر المرتبطة بالتلوث الميكروبي أو طريقة الطهي أو بعض المنتجات المُصنَّعة.

وفي الوقت نفسه، ليس من الصحيح اعتبار كل منتجات الدواجن آمنة بصرف النظر عن مصدرها أو طريقة تجهيزها.

الحقيقة العلمية تقع في منطقة أكثر دقة:

الدواجن غذاء مهم، وسلامتها تبدأ من صحة الطائر، وتمر عبر التربية والتغذية والأمن الحيوي والذبح والتجهيز والتبريد، وتنتهي بالطهي والتناول السليم.

وهكذا تصبح صحة الإنسان امتدادًا طبيعيًا لصحة الحيوان وسلامة البيئة.

فإذا أردنا غذاءً آمنًا على مائدة الإنسان، فعلينا أن نبدأ قبل المائدة بوقت طويل… من الجين، والخلية، والمناعة، والمزرعة.

الاكثر قراءة

اشترك معنا

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com