لا تنتهي المباريات دائمًا مع صافرة الحكم، فبعضها يترك نقاشًا يمتد لأيام، ويثير حالة واسعة من الجدل بين الجماهير، خاصة إذا ارتبط بقرارات تحكيمية مثيرة للاختلاف. وهذا ما شهدناه عقب المباراة الأخيرة التي جمعت المنتخب المصري بنظيره الأرجنتيني، حيث انقسمت آراء الجماهير حول بعض القرارات التي صاحبت اللقاء، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالتحليلات والتعليقات وردود الأفعال المتباينة.
لكن بعيدًا عن الجدل الرياضي، تظل هناك زاوية أكثر أهمية تستحق التوقف عندها، وهي ما الذي يتعلمه أطفالنا ومراهقونا من هذه المشاهد؟ وهل يتابعون المباراة فقط، أم يتأثرون أيضًا بطريقة تشجيعنا وتعليقنا وتعاملنا مع الفوز والخسارة؟
في الحقيقة، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت واحدة من أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل الوعي، خاصة لدى الأطفال والمراهقين. فمع كل مباراة للمنتخب الوطني، يجلس الأبناء إلى جوار أسرهم، يتابعون التفاصيل بشغف، ويعيشون مشاعر الفرح والحماس والقلق، لكنهم في الوقت نفسه يراقبون سلوك الكبار، ويتعلمون منهم دون أن نشعر.
فالطفل لا يتذكر فقط من سجل الهدف، بل يتذكر كيف تصرف والده عند الخسارة، وكيف تحدثت أسرته عن المنافس، وكيف تعامل الجميع مع القرارات التحكيمية. فإذا شاهد احترامًا للمنافس، وتقبلًا للاختلاف، وإيمانًا بأن الفوز والخسارة جزء من أي منافسة، فإنه يكتسب هذه القيم بشكل طبيعي. أما إذا امتلأت الأجواء بالغضب المبالغ فيه، أو السخرية، أو التعصب، فقد يعتقد أن هذه هي الطريقة الصحيحة للتشجيع.
ومن ناحية أخرى، فإن تشجيع المنتخب الوطني يمثل فرصة تربوية لا تتكرر كثيرًا. فهو يغرس في نفوس الأبناء معنى الانتماء، ويعلمهم أن هناك فريقًا يمثل وطنهم ويجتهد من أجل رفع اسمه في المحافل الدولية. وهذه المشاعر لا ينبغي أن ترتبط بنتيجة مباراة واحدة، لأن الانتماء الحقيقي يظهر في أوقات التعثر قبل لحظات الانتصار.
كما أن الجدل حول التحكيم، مهما كان مشروعًا، يجب ألا يتحول إلى مدخل لغرس الشعور بالظلم الدائم أو فقدان احترام قواعد المنافسة. فمن الطبيعي أن تختلف الجماهير في تقييم بعض القرارات، لكن من المهم أن يدرك الأبناء أن الرياضة تقوم على تقبل النتائج، واحترام اللوائح، والإيمان بأن الأخطاء التحكيمية – إن وُجدت – تبقى جزءًا من اللعبة، وليست مبررًا للتعصب أو الإساءة.
وفي هذا السياق، يتحمل الإعلام الرياضي مسؤولية كبيرة، لأنه لا يكتفي بنقل المباريات، بل يشارك في تشكيل ثقافة المشجعين. فعندما يركز الخطاب الإعلامي على الإثارة والانفعال، فإنه ينعكس على سلوك الجمهور، بينما يساهم الإعلام المهني في ترسيخ مفاهيم الروح الرياضية، واحترام المنافس، وتحليل الأداء بعيدًا عن التشنج.
كما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من المشهد الرياضي، حيث يتعرض الأطفال والمراهقون بعد كل مباراة لآلاف المنشورات والتعليقات ومقاطع الفيديو الساخرة، وهو ما يجعل دور الأسرة أكثر أهمية في توجيه الأبناء، ومساعدتهم على التمييز بين النقد الرياضي الموضوعي وبين التعصب الذي يفقد الرياضة رسالتها.
ومن الجميل أن نستثمر هذه اللحظات في تعليم أبنائنا أن حب الوطن لا يُقاس بنتيجة مباراة، وأن تشجيع المنتخب لا يعني الإساءة إلى المنافس، وأن الهزيمة ليست نهاية الطريق، بل فرصة للتعلم والتطوير والعودة بصورة أفضل. فهذه هي القيم التي تبني شخصية متوازنة، سواء داخل الملعب أو خارجه.
لذا، قد تختلف الجماهير حول مباراة أو قرار تحكيمي، وقد تنتهي البطولة بفوز فريق وخسارة آخر، لكن ما يبقى في ذاكرة أطفالنا ليس النتيجة فقط، بل الطريقة التي تعامل بها الكبار مع هذه النتيجة. فكل مباراة هي درس جديد، ليس في كرة القدم فحسب، بل في الأخلاق والانتماء واحترام الآخر.
فالمباريات تنتهي مع صافرة الحكم… أما ما يتعلمه أبناؤنا من طريقة تشجيعنا، فهو ما يبقى معهم طوال العمر.


