NE

News Elementor

رئيس مجلس الإدارة

شريف عبدالعليم

د. أحمد جلال يكتب: الجامعة والحياة.. حين يتحول العلم إلى رسالةٍ تصنع الإنسان

محتوي الخبر

ليست الجامعة جدرانًا تتسع للمدرجات، ولا شهادةً تُعلَّق على جدار، ولا سنواتٍ تنتهي بحفل تخرج. الجامعة، في جوهرها العميق، هي واحدة من أعظم محاولات الإنسان لتحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والسلوك إلى بناءٍ للحياة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يتعلم الطالب في الجامعة؟ وإنما: ماذا يصبح بعد أن يتعلم؟.

فالعلم الذي يبقى حبيس الكتب والمختبرات قد يصنع متخصصًا، لكنه لا يصنع بالضرورة إنسانًا قادرًا على حمل مسؤولية المعرفة. أما الجامعة التي تصل العلم بالحياة، فإنها تصنع عقلًا يسأل، وضميرًا يراقب، ويدًا تعمل، وإنسانًا يدرك أن المعرفة ليست امتيازًا شخصيًا، بل أمانة تجاه المجتمع والإنسان والمستقبل.

من أين بدأت فكرة الجامعة؟

عندما نتحدث عن «أول جامعة في التاريخ» ينبغي أن نكون دقيقين؛ لأن مفهوم الجامعة الحديث، بمؤسساته وكلياته ودرجاته العلمية، لم يظهر دفعة واحدة. فقد سبقت الجامعاتَ مؤسساتٌ تعليمية ومراكزُ للمعرفة في الحضارات القديمة، مثل بيت الحياة في مصر القديمة، ومدارس بلاد الرافدين، ومؤسسات التعليم في الحضارات اليونانية والهندية والصينية. أما من حيث المؤسسة التي تُعد على نطاق واسع أقدم مؤسسة تعليم عالٍ ما زالت تعمل بصورة مستمرة، فتبرز جامعة القرويين في فاس بالمغرب، التي تأسست سنة 859م على يد فاطمة الفهرية. وقد أصبحت عبر القرون مركزًا مهمًا للعلم والدراسة، واستقبلت علماء وطلابًا من مناطق مختلفة. وهنا تظهر حقيقة تاريخية شديدة الأهمية: الجامعة ليست اختراعًا جغرافيًا أو حضاريًا منفردًا، بل ثمرة تراكم إنساني طويل شاركت فيه حضارات متعددة. وقبل ذلك بقرون، كانت مؤسسات العلم في مصر القديمة وغيرها من الحضارات تؤكد أن الإنسان لم يكن يومًا غريبًا عن فكرة تنظيم المعرفة ونقلها من جيل إلى جيل.

الجامعة المصرية القديمة… حين كان العلم جزءًا من بناء الحضارة

في مصر القديمة لم يكن العلم منفصلًا عن الحياة. فقد ارتبطت المعرفة بالزراعة، والري، والطب، والهندسة، والفلك، والعمارة، والكتابة والإدارة. كانت معرفة حركة النيل ومواسم الفيضان والزراعة تتطلب مراقبة دقيقة للطبيعة والزمن، بينما احتاجت العمارة إلى هندسة وحساب وتنظيم بشري بالغ التعقيد.

وهذا يقدم لنا درسًا مبكرًا في فلسفة الجامعة:

المعرفة الحقيقية لا تعيش في برجٍ معزول عن المجتمع؛ إنها تولد من أسئلة الحياة وتعود إليها في صورة حلول.

من المعلومة إلى الحكمة

المعلومة تجيب عن سؤال: ماذا نعرف؟

والعلم يسأل: لماذا يحدث ذلك؟

أما الحكمة فتضيف السؤال الأصعب: وماذا ينبغي أن نفعل بهذه المعرفة؟

وهنا تبدأ رسالة الجامعة الحقيقية. فقد يستطيع عالم أن يكتشف تقنية جديدة، لكن المجتمع يحتاج إلى عقل أخلاقي يسأل عن آثار استخدامها. وقد يستطيع المهندس أن يبني منشأة هائلة، لكن عليه أن يسأل: هل تخدم الإنسان وتحمي البيئة؟ وقد يستطيع عالم الزراعة زيادة الإنتاج، لكن السؤال الأوسع هو: هل ننتج غذاءً آمنًا ومستدامًا يحفظ التربة والماء للأجيال القادمة؟ ولهذا فإن الجامعة التي تعلم التخصص دون المسؤولية قد تنتج عقولًا قوية بلا بوصلة.

الجامعة ليست مصنعًا للشهادات

من أخطر الاختزالات أن تتحول الجامعة إلى محطة للحصول على شهادة ثم وظيفة. الشهادة تثبت أن الإنسان اجتاز برنامجًا تعليميًا، لكنها لا تثبت وحدها أنه أصبح أكثر حكمة أو أكثر مسؤولية أو أكثر قدرة على خدمة الآخرين. الجامعة الحقيقية تصنع لدى الطالب مجموعة من القدرات لا تظهر كلها في ورقة التخرج: أن يفكر قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يصدق، وأن يبحث قبل أن يقرر، وأن يعترف بحدود معرفته، وأن يحترم الدليل، وأن يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.وهذه كلها ليست مهارات أكاديمية فحسب؛ إنها مهارات للحياة.

المختبر ليس بعيدًا عن المجتمع

قد يبدو المختبر عالمًا مغلقًا، لكن كل تجربة علمية تحمل في داخلها سؤالًا اجتماعيًا. عندما يبحث عالم الزراعة في صنف نباتي أكثر تحمّلًا للجفاف، فهو لا يدرس النبات فقط؛ بل يشارك في حماية الأمن الغذائي. وعندما يطور عالم تربية الدواجن نظامًا أفضل للإنتاج، فهو لا يتعامل مع الطيور وحدها؛ بل يساهم في اقتصاد الغذاء وتوفير البروتين وتقليل الفاقد وتحسين كفاءة استخدام الموارد. وعندما يبحث عالم البيئة في تلوث الماء أو التربة، فهو في الحقيقة يبحث في حق الإنسان في الحياة الآمنة. وهكذا تتلاشى الحدود بين الجامعة والحياة.

الأستاذ الجامعي… أكثر من ناقل للمعرفة

الأستاذ الحقيقي لا يملأ ذاكرة الطالب بالمعلومات فقط؛ بل يفتح أمامه أبواب التفكير. قد ينسى الطالب بعد سنوات معادلةً أو تاريخًا أو تعريفًا، لكنه قد لا ينسى أستاذًا علمه كيف يبحث، وكيف يختلف، وكيف يتحمل مسؤولية قراره. ولهذا فإن أعظم أثر للأستاذ ليس عدد المحاضرات التي ألقاها، وإنما عدد العقول التي استطاع أن يوقظها. فالأستاذ الذي يصنع باحثًا يصنع معرفة، والأستاذ الذي يصنع إنسانًا مسؤولًا يصنع مستقبلًا.

الجامعة والبحث العلمي… من سؤال صغير إلى أثر كبير

كل اكتشاف عظيم بدأ غالبًا بسؤال. السؤال هو الشرارة الأولى للبحث العلمي، والجامعة هي البيئة التي ينبغي أن تحمي هذه الشرارة. لكن قيمة البحث العلمي لا تقاس فقط بعدد الأبحاث المنشورة، بل بقدرته على إضافة معرفة جديدة، وحل مشكلة، وتحسين حياة، أو فتح طريق جديد أمام الإنسان. ومن هنا تصبح الجامعة جزءًا من منظومة التنمية، لا مجرد مؤسسة تعليمية. فالجامعة التي ترتبط بالصناعة والزراعة والصحة والبيئة والطاقة والمجتمع تستطيع أن تحول المعرفة إلى اقتصاد قائم على الابتكار.

الجامعة والأخلاق… المعادلة التي لا يجوز كسرها

كلما ازدادت قوة العلم ازدادت الحاجة إلى الأخلاق.

فالإنسان يستطيع أن يكتشف، وأن يصنع، وأن يغير، لكن السؤال الأخلاقي يظل حاضرًا: هل كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله هذه الجملة تختصر واحدة من أعظم قضايا العصر. فالذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة النووية، والتقنيات الرقمية كلها تمنح الإنسان قدرات هائلة. لكن القدرة وحدها لا تكفي. نحتاج إلى جامعة تعلم الطالب أن العلم قوة، والأخلاق هي التي تحدد اتجاه هذه القوة.

الجامعة ورسالة عمارة الأرض

إذا نظرنا إلى الجامعة من منظور أوسع، سنجد أنها جزء من رسالة الإنسان في عمارة الأرض. فالإنسان لا يتعلم لكي يعرف فقط، وإنما لكي يعمر، ويصلح، ويمنع الضرر، ويحسن استخدام الموارد. وفي القرآن الكريم يأتي قوله تعالى:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
[هود: 61]

إن مفهوم عمارة الأرض يفتح أمام التعليم الجامعي أفقًا يتجاوز الوظيفة إلى المسؤولية. فالعالم الزراعي مسؤول عن غذاء الإنسان، والطبيب عن صحته، والمهندس عن سلامة منشآته، والعالم البيئي عن حماية النظم الطبيعية، والاقتصادي عن كفاءة الموارد، والمربي عن بناء الإنسان. وبذلك تصبح التخصصات المختلفة فروعًا لشجرة واحدة: شجرة خدمة الحياة.

من الجامعة إلى الحياة… ومن الحياة إلى الجامعة

هناك علاقة تبادلية عميقة. الحياة تقدم للجامعة المشكلات والأسئلة والتحديات، والجامعة تعيد إلى الحياة المعرفة والحلول والابتكارات.
الفقر سؤال للباحث.
الجوع سؤال للزراعة.
المرض سؤال للطب.
الماء سؤال للعلوم والهندسة.
التغير المناخي سؤال لكل التخصصات.
والجامعة الناجحة هي التي تسمع هذه الأسئلة قبل أن تتحول إلى أزمات.

الجامعة التي نريدها

نحتاج إلى جامعة لا تكتفي بتخريج موظفين، وإنما تخرج صناعًا للحياة. جامعة يكون فيها الطالب باحثًا لا متلقيًا فقط، والمختبر مفتوحًا على المجتمع، والأستاذ قدوة قبل أن يكون محاضرًا، والبحث العلمي مرتبطًا بقضايا الوطن، والأخلاق جزءًا من المنهج لا فقرة هامشية. نحتاج جامعة تجعل من المعرفة وسيلة للتحرر من الجهل، ومن العلم وسيلة للتنمية، ومن التكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان، ومن التعليم وسيلة لبناء مجتمع أكثر عدلًا واستدامة.

الجامعة حين تصبح رسالة

من بيت الحياة في الحضارات القديمة، إلى مراكز العلم الكبرى، إلى جامعة القرويين، ثم إلى الجامعات الحديثة ومختبراتها وشبكاتها البحثية، ظل الإنسان يبحث عن طريقة لحفظ المعرفة ونقلها وتطويرها. لكن أعظم تحدٍ للجامعة اليوم ليس أن تنتج مزيدًا من المعرفة فقط؛ فالمعرفة تتضاعف بسرعة هائلة. التحدي الحقيقي هو أن تنتج إنسانًا يستطيع استخدام هذه المعرفة بحكمة. فالجامعة العظيمة ليست التي تملك أكبر عدد من المباني، ولا التي تمنح أكبر عدد من الشهادات، وإنما التي تستطيع أن تجعل من العلم ضميرًا للعقل، ومن العقل أداةً للبناء، ومن البناء طريقًا لخدمة الإنسان. وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي يجب أن تطرحه كل جامعة على نفسها:

ماذا سيحدث للعالم بسبب الإنسان الذي تخرّجه؟

فإذا كان الجواب: سيصبح العالم أكثر علمًا، فهذا جيد. أما إذا كان الجواب: سيصبح العالم أكثر علمًا، وأكثر أخلاقًا، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرةً على حماية الحياة… فهنا فقط تكون الجامعة قد تحولت من مؤسسة للتعليم إلى رسالة لصناعة الإنسان وصناعة المستقبل.

الاكثر قراءة

اشترك معنا

“نيوز مصر” هو موقع إخباري مصري مستقل، يسعى إلى تقديم تغطية شاملة ومهنية لأهم الأخبار المحلية والعالمية، بمنظور مصري يعكس نبض الشارع واحتياجات المواطن.

تواصل معنا ..

حقوق النشر محفوظة لــ نيوز مصر © 2026
تم تصميمه و تطويره بواسطة www.enogeek.com