أكد الاستشاري المعماري الدكتور مهندس محمد طلعت، رئيس مجلس إدارة شركة محمد طلعت معماريون، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تمثل فرصة استراتيجية لفتح مرحلة جديدة من التعاون المصري الصيني، لا سيما في قطاعات التشييد والبناء والتطوير العمراني، مشيرًا إلى أن طبيعة المرحلة الحالية تفرض الانتقال من مفهوم التعاون القائم على تنفيذ المشروعات إلى نموذج أكثر تطورًا يقوم على نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة وبناء القدرات المصرية، بما يمكن مصر من التحول تدريجيًا إلى مركز إقليمي لصناعة وتكنولوجيا البناء.
وقال طلعت، في بيان صحفي، إن الصين أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر التجارب العالمية تأثيرًا في تطوير تقنيات البناء والتشييد والتخطيط العمراني، بعدما استطاعت أن تنتقل من الاعتماد على أساليب البناء التقليدية إلى منظومة متقدمة تجمع بين التكنولوجيا والهندسة والتصنيع وإدارة المشروعات والرقمنة، وهو ما انعكس على قدرتها على تنفيذ مشروعات ضخمة ومعقدة خلال مدد زمنية قياسية، وبمعايير هندسية متقدمة، لافتًا إلى أن التجربة الصينية لم تعد مرتبطة فقط ببناء الأبراج وناطحات السحاب، وإنما أصبحت نموذجًا متكاملًا لإدارة وتطوير المدن الحديثة.
إنشاء المدن الجديدة
وأضاف أن مصر تمتلك في المقابل مقومات تجعلها شريكًا مؤهلًا للاستفادة من هذه الخبرة، وفي مقدمتها حجم السوق المحلية، واتساع رقعة مشروعات التنمية العمرانية، والتوسع الكبير في إنشاء المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية، إلى جانب موقعها الجغرافي الذي يمنحها قدرة كبيرة على أن تصبح قاعدة إقليمية تخدم أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، مؤكدًا أن الجمع بين الخبرة الصينية والإمكانات والموقع الاستراتيجي المصري يمكن أن يخلق قيمة اقتصادية تتجاوز حدود السوق المحلية.
المشروعات العمرانية المصرية
وأوضح طلعت أن وجود الشركات الصينية الكبرى في عدد من المشروعات العمرانية المصرية يمثل بالفعل قاعدة مهمة يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن مشروعات مثل منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة وما تضمه من أبراج مرتفعة، إلى جانب مشروعات الأبراج والمنطقة المركزية بمدينة العلمين الجديدة، قدمت نماذج عملية للتعاون بين الخبرات الصينية والسوق المصرية، وأثبتت قدرة الشركات الصينية على التعامل مع المشروعات ذات الطبيعة الهندسية والتكنولوجية المعقدة.
وأشار إلى أن أهمية هذه التجارب لا يجب أن تتوقف عند حدود المباني التي تم تنفيذها، وإنما يجب أن تمتد إلى ما وراء المشروع نفسه، من خلال الاستفادة من الخبرات والتقنيات التي صاحبت عمليات التصميم والتنفيذ وإدارة المشروعات، والعمل على نقلها تدريجيًا إلى الشركات والمكاتب الهندسية والكوادر الفنية المصرية.
شركات المقاولات والاستشارات والهندسة المصرية
وأكد رئيس مجلس إدارة شركة محمد طلعت معماريون أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى صياغة نموذج أكثر عمقًا للشراكة مع الشركات الصينية، بحيث يتضمن إنشاء مراكز للتدريب ونقل التكنولوجيا، وتوسيع نطاق التعاون بين شركات المقاولات والاستشارات والهندسة المصرية ونظيراتها الصينية، وتشجيع إقامة صناعات محلية مرتبطة بتكنولوجيا البناء الحديثة، بما يسمح بتحويل الخبرة المستوردة إلى معرفة محلية قابلة للتطوير والتصدير.
وقال إن “القيمة الحقيقية لأي استثمار أجنبي لا تقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل الدولة، وإنما بحجم القيمة المضافة التي يتركها وراءه”، موضحًا أن الاستثمارات الصينية في قطاع التشييد يمكن أن تحقق تأثيرًا أوسع إذا ارتبطت بزيادة القدرات الإنتاجية للشركات المصرية، ورفع كفاءة العمالة والمهندسين، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، ونقل التقنيات الحديثة في مجالات التصميم والتنفيذ وإدارة المشروعات.
صناعة البناء العالمية
ولفت طلعت إلى أن صناعة البناء العالمية تشهد تحولًا كبيرًا في أنماط التنفيذ، مع التوسع في البناء المسبق التصنيع، والإنشاءات المعيارية، والاعتماد على النمذجة الرقمية وإدارة المعلومات الهندسية، فضلًا عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليل البيانات في مراحل التصميم والتنفيذ والتشغيل، مؤكدًا أن مصر لا ينبغي أن تكتفي بمواكبة هذه التطورات، وإنما عليها أن تسعى إلى بناء قاعدة محلية قادرة على استيعابها وتطويرها.
وأضاف أن الشراكة المصرية الصينية يمكن أن تمثل إحدى الأدوات المهمة لتسريع هذا التحول، خاصة أن مصر تمر بمرحلة توسع عمراني ضخمة، وهو ما يوفر بيئة مثالية لتطبيق واختبار تقنيات البناء الحديثة على نطاق واسع، مشددًا على ضرورة أن تكون التكنولوجيا جزءًا أصيلًا من استراتيجية التنمية العمرانية، وليس مجرد أداة لتحسين سرعة تنفيذ مشروع بعينه.
وأوضح أن مصر أمام فرصة لتطوير مفهوم جديد للصناعة العمرانية، لا ينظر إلى العقار باعتباره مجرد مبنى يتم تشييده وبيعه، وإنما باعتباره منظومة متكاملة تضم التخطيط والتصميم والهندسة والتصنيع والتنفيذ والتشغيل وإدارة الأصول، وهو ما يمكن أن يفتح مجالات جديدة أمام الاقتصاد المصري ويخلق فرصًا استثمارية وصناعية وتشغيلية تمتد إلى قطاعات عديدة مرتبطة بالتشييد والبناء.
منظومة متكاملة لتكنولوجيا البناء
وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لمصر يمثل عنصر قوة إضافيًا في هذا التصور، حيث يمكن أن تتحول الدولة، في حال تطوير منظومة متكاملة لتكنولوجيا البناء، إلى نقطة انطلاق للشركات الصينية نحو أسواق المنطقة والقارة الأفريقية، خاصة مع تنامي احتياجات هذه الأسواق إلى مشروعات البنية التحتية والمدن الجديدة والإسكان والمشروعات التجارية والإدارية والسياحية.
وشدد طلعت على أن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى رؤية متكاملة لا تقتصر على جذب الشركات الصينية للعمل في مصر، وإنما تستهدف بناء شراكات طويلة الأجل بين القطاعين المصري والصيني، تقوم على الاستثمار المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات المغذية، وتدريب الكوادر، وتطوير البحث والتطوير، وربط الجامعات والمراكز البحثية المصرية بالخبرات الصناعية والهندسية الصينية.
وأكد أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر يمكن أن تمثل نقطة انطلاق سياسية واقتصادية لهذا المسار، إذا نجحت المباحثات والاتفاقات المصاحبة لها في فتح مجالات جديدة للاستثمار في قطاعات التكنولوجيا العمرانية والإنشاءات والصناعات المرتبطة بها، معتبرًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد استهدافًا أكثر دقة لنوعية الاستثمارات وليس فقط لحجمها.
وقال طلعت إن مصر لا تحتاج إلى استثمارات أجنبية تضيف طاقات إنشائية جديدة فقط، وإنما تحتاج إلى استثمارات تنقل معها “معرفة جديدة”، وتخلق شركات أكثر قدرة على المنافسة، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المنتج والخبرة المصرية، مؤكدًا أن هذا هو الفارق بين الاستثمار الذي يضيف مشروعًا والاستثمار الذي يضيف صناعة.
صناعة البناء الإقليمية
واختتم الاستشاري المعماري الدكتور مهندس محمد طلعت تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تمتلك فرصة حقيقية لإعادة صياغة موقعها داخل خريطة صناعة البناء الإقليمية، مستفيدة من علاقاتها الاستراتيجية مع الصين ومن خبرات الشركات الصينية الكبرى التي أصبحت شريكًا حاضرًا في عدد من المشروعات المصرية الكبرى، قائلًا: “نحن أمام فرصة لأن ننتقل من مرحلة الاستفادة من التكنولوجيا التي تأتي إلى مصر إلى مرحلة توطين هذه التكنولوجيا وتطويرها وتصديرها. وإذا نجحنا في بناء هذه المنظومة، فإن مصر لن تكون فقط سوقًا للشركات الصينية، وإنما يمكن أن تصبح قاعدة إقليمية لتكنولوجيا البناء والانطلاق منها إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا”.
وأضاف أن الهدف النهائي يجب ألا يكون فقط أن نبني مدنًا أكثر ارتفاعًا أو مشروعات أكثر ضخامة، وإنما أن نمتلك القدرة على بناء المدن بصورة أكثر ذكاءً وكفاءة واستدامة، وأن تتحول الخبرة التي تدخل مصر اليوم إلى قدرة مصرية تستطيع أن تنافس بها غدًا.


