منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، يتكرر المشهد ذاته بلا تغيير. تتراجع المبيعات في فترة ما، ترتفع أسعار الفائدة، يمر الاقتصاد العالمي باضطرابات، فتخرج أصوات تعلن بثقة أن “الفقاعة العقارية اقتربت من الانفجار”، وأن السوق المصري يعيش أيامه الأخيرة.
تمر الشهور… ثم السنوات… ولا تنفجر الفقاعة.
بل يبدأ السوق في إعادة ترتيب أوراقه، وتظهر مناطق جديدة للنمو، وتدخل استثمارات جديدة، وتتغير خريطة الطلب، بينما ينتقل أصحاب نظرية الانهيار إلى موعد جديد، وسيناريو جديد، وتوقع جديد.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل توجد تحديات في السوق العقاري؟ فالإجابة بالتأكيد نعم.
السؤال الحقيقي هو: هل كل تباطؤ في المبيعات يعني وجود فقاعة عقارية؟
للأسف، هناك من يتعامل مع مصطلح “الفقاعة العقارية” باعتباره عنوانًا جذابًا أكثر منه مفهومًا اقتصاديًا له شروط ومعايير واضحة. ففي الاقتصاد، لا تُقاس الفقاعة بارتفاع الأسعار وحده، وإنما عندما تنفصل الأسعار بصورة كبيرة عن قيمتها الاقتصادية الحقيقية، ويصبح السوق قائمًا على المضاربة الممولة بديون ضخمة، ثم ينهار بمجرد توقف التمويل أو تراجع الطلب.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام طبيعة السوق المصري.
السوق العقاري في مصر له خصوصية تختلف عن كثير من الأسواق التي شهدت أزمات حادة. فجزء كبير من التعاملات يعتمد على نظم السداد المباشر والأقساط طويلة الأجل، وليس على التوسع المفرط في التمويل العقاري عالي المخاطر كما حدث في تجارب دول أخرى. كما أن الطلب على العقار لا يستند فقط إلى الاستثمار، بل يرتبط أيضًا بالاحتياج الفعلي للسكن، والنمو السكاني، والتوسع العمراني المستمر.
وهذا لا يعني أن السوق بلا تحديات، بل يعني أن أدوات قراءة السوق يجب أن تكون أكثر دقة.
نعم، هناك تغير في سلوك المشتري.
نعم، هناك ارتفاع في تكلفة التمويل.
ونعم، هناك شركات تحتاج إلى إعادة هيكلة نماذجها البيعية والتمويلية.
لكن هذه المؤشرات تعكس مرحلة إعادة تموضع داخل السوق، وليست بالضرورة مقدمة لانهياره.
ولعل ما شهدناه مؤخرًا من قرارات وتيسيرات أعلنتها وزارة الإسكان يعكس هذا النهج؛ فهي تستهدف إزالة معوقات التنفيذ، وتنشيط حركة الاستثمار، ومعالجة بعض الأعباء المالية، مع الحفاظ على الضوابط المنظمة للسوق. ومثل هذه الإجراءات لا تلغي التحديات، لكنها تسهم في تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز قدرة المشروعات الجادة على الاستمرار.
اللافت للنظر أن كثيرًا ممن يرددون نظرية الفقاعة ينظرون إلى العقار باعتباره مجرد سلعة، بينما يغفلون أنه أحد أهم القطاعات المحركة للاقتصاد الوطني. فهو يرتبط بسلاسل طويلة من الصناعات والخدمات، ويؤثر في التشغيل والاستثمار والبنية الأساسية، ولذلك فإن تقييمه يحتاج إلى رؤية أشمل من متابعة حركة الأسعار وحدها.
كما أن الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة لم تكتفِ ببناء وحدات سكنية، بل أعادت رسم الخريطة العمرانية بالكامل. مدن جديدة، ومحاور طرق، وشبكات مرافق، واستثمارات ضخمة في البنية الأساسية، وهي عناصر ترفع من كفاءة استخدام الأراضي وتخلق مراكز عمرانية واقتصادية جديدة. ويمكن أن يختلف الخبراء حول سرعة العائد أو توزيع الطلب، لكن من الصعب إنكار أن هذه الاستثمارات غيّرت معادلة التنمية العمرانية في مصر.
ومن هنا، فإن الخلط بين تباطؤ السوق وانهياره ليس قراءة اقتصادية دقيقة، بل قفز إلى استنتاجات لا تدعمها كل المؤشرات.
التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الأسواق لا تتحرك في خط مستقيم. تمر بفترات صعود، ثم تهدأ، ثم تعيد ترتيب أولوياتها، ثم تبدأ دورة جديدة. والسوق العقاري المصري ليس استثناءً من هذه القاعدة.
المطلوب اليوم ليس إنكار التحديات، ولا تضخيمها، وإنما التعامل معها بعقلية الإصلاح والتطوير. فالشركات مطالبة بابتكار منتجات أكثر توافقًا مع قدرات العملاء، وتطوير أدوات التمويل، ورفع كفاءة التنفيذ، بينما يستمر دور الدولة في تحديث السياسات وتوفير بيئة استثمارية مستقرة وواضحة.
إن أخطر ما يواجه أي سوق ليس التباطؤ المؤقت، بل نشر اليقين الزائف؛ سواء بالقول إن كل شيء على ما يرام، أو بالترويج لانهيار وشيك دون سند اقتصادي كافٍ.
ويبقى السؤال الذي لم يجب عنه أنصار “الفقاعة” حتى الآن:
إذا كان العقار المصري على وشك الانهيار منذ سنوات طويلة… فلماذا لم ينهر؟
ولماذا تتغير خريطة السوق باستمرار، بينما تبقى نبوءة الانهيار نفسها تتكرر عامًا بعد عام؟
في الاقتصاد، لا تُبنى الأحكام على الانطباعات، بل على البيانات والتحليل. أما الشائعات، فقد تصنع ضجيجًا، لكنها لا تصنع واقعًا.
ولهذا، ربما آن الأوان أن نتوقف عن إعلان وفاة العقار المصري كل عام، وأن نبدأ في قراءة هذا القطاع بعين الاقتصاد، لا بعدسة الإثارة.
فالأسواق لا تسقط بالشائعات، ولا تنهض بالشعارات… لكنها تبنى بالإنتاج، والاستثمار، والثقة، والإصلاح المستمر.


