عملياً تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة استراتيجية دقيقة تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الحسابات السياسية الداخلية والتوازنات الإقليمية بصورة غير مسبوقة. فلم تعد الحرب في غزة حدثاً منفصلاً عن التصعيد في جنوب لبنان، كما لم يعد الجمود الذي يخيم على المفاوضات الأمريكية الإيرانية بعيداً عن حسابات الميدان. بل إن المشاهد الثلاثة باتت تشكل لوحة واحدة تحكمها معادلة إقليمية معقدة، عنوانها إدارة الصراع لا حسمه، واحتواء الانفجار لا إنهاؤه. وفي قلب هذه المعادلة يبرز ما يمكن وصفه بـ”الخط الأصفر” الممتد من غزة إلى جنوب لبنان وصولاً إلى مضيق هرمز، حيث تتحدد حدود التصعيد وحدود التسوية في آن واحد.
المشهد الأول يتعلق بالاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية التي تقوم حالياً على ثلاثة مرتكزات رئيسية: التوغل، وصناعة العمق الاستراتيجي، وفرض الهيمنة الأمنية طويلة الأمد. فجيش الاحتلال لم يعد يتعامل مع الجبهات المحيطة باعتبارها ساحات ردع مؤقتة، بل باعتبارها مساحات يجب إعادة تشكيلها جغرافياً وأمنياً بما يخدم الأمن الإسرائيلي لعقود قادمة.
ومن هنا يمكن فهم التصعيد المتواصل في جنوب لبنان، خاصة في محيط النبطية والغندورية وبيت جبيل ومحاور التبين وبعض مناطق الاتصال اللوجستي. فإسرائيل تسعى إلى خلق واقع أمني جديد يقوم على دفع التهديدات بعيداً عن حدودها الشمالية، وإقامة ما يشبه المنطقة العازلة غير المعلنة بعمق قد يصل في بعض المناطق إلى ما بين 5 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
كما تحاول خنق البيئة الحاضنة للمقاومة عبر استهداف البنية الاقتصادية والخدماتية ومحاور الحركة، انطلاقاً من قناعة بأن المواجهة لم تعد مع المقاتلين فقط، وإنما مع منظومة الدعم الاجتماعي واللوجستي التي تسمح باستمرار القتال.
ويفسر هذا السياق الاجتماع الأمني الذي عقده بنيامين نتنياهو لتقييم الوضع في الشمال بحضور وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان ورؤساء الأجهزة الأمنية. فالقيادة الإسرائيلية تدرك أن جبهة الشمال لم تعد جبهة ثانوية، خاصة في ظل استمرار إخلاء عشرات الآلاف من المستوطنين من مناطق الجليل الأعلى منذ بداية المواجهة، وتحول عودتهم إلى أحد الأهداف السياسية والعسكرية المعلنة للحكومة.
لكن في المقابل، لا يتعامل حزب الله مع المعركة وفق منطق المواجهة التقليدية. فالحزب يعتمد بصورة متزايدة على استراتيجية الاستنزاف، متجنباً الانجرار إلى حرب شاملة تمنح إسرائيل فرصة توظيف تفوقها الجوي والتكنولوجي. وتعتمد هذه المقاربة على ما يعرف بـ”عقيدة الفسيفساء”، أي توزيع القوة العسكرية على وحدات صغيرة ومتعددة ومتحركة، بما يقلل من تأثير الضربات الإسرائيلية المركزة.
كما أصبحت الطائرات المسيّرة تمثل أحد أهم عناصر القوة في هذه المواجهة. فالحرب الحديثة لم تعد تقوم فقط على الصواريخ الثقيلة أو الطائرات المقاتلة، بل أصبحت المسيّرات أداة رئيسية في الاستطلاع والاستهداف وجمع المعلومات. ولهذا دفعت هذه التطورات الجيش الإسرائيلي إلى تطوير وحدات متخصصة في ملاحقة المسيّرات ومشغليها، مع استحداث قدرات ميدانية جديدة شبيهة بالنماذج التي برزت خلال الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تحولت المسيّرات إلى عنصر حاسم في تغيير طبيعة المعارك.
أما المشهد الثاني فيتمثل في قطاع غزة، حيث تشير التصريحات الأخيرة لنتنياهو إلى أن إسرائيل تسعى إلى بسط السيطرة على نحو 70% من مساحة القطاع البالغة قرابة 365 كيلومتراً مربعاً، بما يترك السكان الفلسطينيين متمركزين في ما يقرب من 30% فقط من المساحة الإجمالية. وهذه التصريحات ليست مجرد تقديرات عسكرية، بل تعكس توجهاً سياسياً لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والأمنية للقطاع.
وتأتي السيطرة على بيت حانون ضمن هذا السياق، باعتبارها البوابة الشمالية لغزة وأحد أهم المفاتيح العسكرية للتحكم في الحركة بين شمال القطاع ومناطقه الأخرى. كما أن التوسع في السيطرة الميدانية يهدف إلى تقسيم القطاع إلى جيوب منفصلة يسهل التحكم فيها أمنياً، وخلق واقع جديد قد يفرض نفسه على أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
غير أن المشكلة الأساسية التي تواجه إسرائيل تتمثل في الفجوة المتزايدة بين الإنجاز التكتيكي والإنجاز الاستراتيجي. فبعد شهور طويلة من العمليات العسكرية، تمكنت إسرائيل من تحقيق اختراقات ميدانية واسعة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من ترجمة هذه المكاسب إلى واقع سياسي مستقر. فما زالت الفصائل الفلسطينية تحتفظ بقدرات استنزافية، وما زالت العمليات العسكرية تفرض كلفة اقتصادية وأمنية باهظة على إسرائيل، حيث تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن كلفة الحرب المباشرة وغير المباشرة تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، وسط تباطؤ اقتصادي وتراجع الاستثمارات وارتفاع الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة.
أما المشهد الثالث فيرتبط بالجمود التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران. فالأحاديث المتداولة حول مذكرة تفاهم تتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز تكشف أن الأزمة ربما انتقلت من مرحلة المواجهة إلى مرحلة اختبار النوايا. ويبدو أن الوسطاء الإقليميين، وخاصة سلطنة عمان وقطر إلى جانب اتصالات مصرية وخليجية، نجحوا في الدفع نحو صيغة مؤقتة تقوم على “خفض التصعيد مقابل ضمان أمن الملاحة”.
وتكتسب هذه التفاهمات أهمية استثنائية لأن مضيق هرمز يمثل الشريان الأهم للطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية وما يقرب من خمس استهلاك العالم من الطاقة. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في المضيق من شأنه دفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز حاجز المائة دولار للبرميل، بما يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.
لكن هذه التفاهمات لا تعني نهاية الأزمة. فالخلافات الأساسية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات والأصول المجمدة وترتيبات الأمن الإقليمي لا تزال قائمة. ولذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى هدنة تفاوضية مؤقتة منها إلى تسوية شاملة ونهائية.
ومن خلال الربط بين هذه المشاهد الثلاثة، يمكن فهم جانب مهم من السلوك الإسرائيلي الحالي. فالحكومة الإسرائيلية تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة، مع تصاعد الحديث عن حل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة، ووجود انقسامات داخل الائتلاف الحاكم، فضلاً عن استمرار الجدل حول مستقبل نتنياهو السياسي والقضائي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تحقيق إنجازات أمنية وعسكرية أمراً ضرورياً لتعزيز الموقف السياسي الداخلي.
ومن هنا، يبدو أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التصعيد في لبنان وغزة. ليس لأن إسرائيل حققت أهدافها الاستراتيجية، بل لأنها لم تحققها بالكامل. فكلما اتسعت الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، ازدادت الحاجة إلى تعظيم المكاسب التكتيكية وتسويقها باعتبارها إنجازات استراتيجية. لذلك، فإن ما نشهده اليوم قد يكون محاولة لتعويض فائض العجز عن تحقيق التحولات الكبرى من خلال توسيع العمليات العسكرية وإنتاج وقائع ميدانية جديدة، أملاً في تحسين شروط التفاوض وترميم صورة الردع داخلياً وإقليمياً.
وبذلك، تبدو المنطقة أمام مرحلة عنوانها الأساسي استمرار إدارة الصراع لا إنهاؤه، واستمرار البحث عن مكاسب جزئية في ظل عجز جميع الأطراف عن فرض انتصار حاسم. وبين جبهة غزة وجبهة لبنان ومضيق هرمز، يتشكل مشهد إقليمي جديد قد يكون أكثر خطورة وتعقيداً مما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية


